المنبر الديني وتحديات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الانتباه
مرتضى معاش
2026-06-01 03:18
يشهد الخطاب الديني وخصوصا المنبر الحسيني اليوم تحديًا غير مسبوق في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، بدءًا من هيمنة الهاتف الذكي ومنصات التواصل، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي وخوارزميات سرقة الانتباه. فقد تغيّرت طبيعة الإنسان المتلقي، وخصوصًا الأجيال الجديدة، التي أصبحت أكثر ميلًا إلى السرعة والتشتت والمقاطع القصيرة، وأقل قدرة على الإصغاء الطويل والتأمل العميق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب ديني واعٍ يفهم الإنسان الرقمي الجديد، ويستثمر أدوات العصر دون أن يفقد أصالته ورسالته.
مدخل: تحوّلات العالم الرقمي
منذ عام 2010 دخل العالم مرحلة جديدة مع انتشار الهاتف الذكي المزود بالكاميرا، ثم جاءت منصات التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وثقافة “السيلفي” لتُحدث تحولًا عميقًا في علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالعالم من حوله. لم يكن الأمر مجرد تطور تقني، بل كان انقلابًا في نمط الوعي والمعرفة، خصوصًا لدى المراهقين والأجيال الجديدة التي فتحت أعينها على هذا العالم الرقمي.
ومع عام 2025 دخل عامل جديد أكثر تأثيرًا، هو الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح قوة مهيمنة تعيد تشكيل المعرفة والتعليم والعمل والإعلام والخطاب العام. وبذلك تحولت المعرفة شيئًا فشيئًا إلى معرفة فردية، انعزالية، افتراضية، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الامتداد الواقعي والخبرة الخارجية الحية والتفاعل العاطفي المباشر.
هذا التحول يعبر عن سمات عصر جديد، عصر يميل فيه الإنسان إلى الانعزال داخل عالمه الرقمي الخاص، حيث تُصنع الرغبات، وتُدار الانفعالات، وتُسرق الانتباهات، وتُعاد برمجة الذهن والنفس وفق إيقاع الخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي وتحدي المهن والخطاب الديني
أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قوة مؤثرة في مختلف المجالات. فهو حاضر في التعليم، والجامعات، والكتابة، والصحافة، والطب، والقانون، والهندسة، وصناعة الأفلام، والإعلام، بل حتى في إنتاج المحتوى الديني والفكري.
وهذا يطرح سؤالًا حادًا: هل يمكن أن يطال خطر الانقراض أو التراجع بعض أشكال الخطاب الديني التقليدي كما يطال مهنًا أخرى؟
فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة النصوص بسرعة عالية، وصناعة الصور، وإنتاج الأفلام، وتوليد المحتوى بجودة متزايدة وكلفة منخفضة، فإن المنبر الديني لا يستطيع أن يبقى خارج هذا التحدي. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على منافسة الإنسان في الصياغة، والترتيب، والتوليد، والتحليل، بل وفي التأثير السطحي على المتلقي من خلال الانبهار.
لكن جوهر المسألة لا يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يكتب أو ينتج فقط، بل في أنه يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والانتباه والمشاعر. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة للمنبر والخطاب الديني.
الخوارزميات: استفزاز الرغبة وسرقة الوعي
الخوارزمية ليست مجرد تسلسل تقني محايد، بل هي في عالم المنصات الرقمية آلية دقيقة لتوجيه الرغبات. إنها نظام متدرج من الإغواء، تقدمه الشركات عبر محتوى متسلسل مبهر، يتلاءم مع ميول النفس ورغباتها، ثم يدفع الإنسان إلى المزيد من الاستهلاك والمشاهدة والتفاعل.
ومن الممكن تشبيه هذه العملية بما يمكن تسميته: “خوارزمية الشيطان”. فالوسوسة تبدأ بفكرة بسيطة، ثم تستدعي فكرة بعدها، ثم فكرة أخرى، حتى تكبر وتتحول إلى قوة مسيطرة على ذهن الإنسان ونفسه وقراراته.
بهذا المعنى، تعمل الخوارزميات الحديثة على سلب الإنسان وعيه وقدرته على التفكير الحر، وتضعف قدرته على التحكم بنفسه، ثم تحوله تدريجيًا إلى إنسان مدمن يعيش داخل المسار الذي ترسمه له الخوارزمية، لا داخل المسار الذي يختاره هو بوعي وإرادة.
سرقة الانتباه: التحدي الأكبر أمام المنبر
من أبرز المفاهيم التي تصف هذا العصر مفهوم “سرقة الانتباه”. ففي السابق كان الإنسان قادرًا على الإصغاء لمحاضرة طويلة أو درس ممتد أو مجلس ديني يستمر ساعة أو أكثر. وكان الناس يحضرون منابر طويلة، بل قد تمتد بعض المجالس إلى ساعتين أو أكثر، مع قدرة على المتابعة والتفاعل.
أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الانتباه. بدأت المحاضرات تُختصر من ساعة إلى نصف ساعة، ثم إلى خمس عشرة دقيقة، ثم عشر دقائق، ثم خمس، ثم ثلاث، ثم دقيقة، ثم ثلاثين ثانية، حتى وصل الأمر في بعض أنماط المحتوى إلى ثوانٍ قليلة.
لقد أصبح الإنسان الرقمي معتادًا على التبديل السريع، والانتقال الخاطف، والتلقي المتقطع. لم يعد يصبر على المسار الطويل للفكرة، ولا على البناء التدريجي للمعنى، ولا على الإصغاء المتأمل. وهذا يخلق مشكلة كبرى للتعليم، وللجامعة، وللثقافة، وللمنبر الديني أيضًا.
فالمنبر بطبيعته يحتاج إلى إصغاء، وتركيز، وتفاعل وجداني، وتدرج في بناء الفكرة. أما المتلقي الجديد فقد بُرمج على السرعة، والتشظي، والتشتت، والاستهلاك المتلاحق للمقاطع القصيرة.
الجيل الجديد ومشكلة التركيز والاستماع
قد يهون الامر على الأجيال المتقدمة لكن الأجيال الجديدة، وخصوصًا جيل ما بعد 2010 وما يعرف بجيل الفا، وكذلك الامر ما يتلق بجيل “زد”، تواجه مشكلة واضحة في التركيز والاستماع والفهم العميق. هذه المشكلة ليست مجرد ضعف أخلاقي أو كسل شخصي، بل هي نتيجة بيئة رقمية كاملة أعادت تشكيل الدماغ والعادة والانتباه.
فالطالب في المدرسة والجامعة يعاني من ضعف التركيز. والمستمع في المجلس الديني قد لا يتحمل الجلوس الطويل. والشاب قد يجد صعوبة في متابعة خطبة أو محاضرة ممتدة، لأنه اعتاد على محتوى سريع ومتجدد ومجزأ.
وهذا يفسر لماذا يغلب على بعض المجالس حضور كبار السن، بينما قد ينصرف بعض الشباب عنها. ذلك ان طريقة التلقي لديهم تغيرت، وإيقاع الوعي لديهم تبدل، وأدوات التأثير التقليدية لم تعد كافية وحدها.
هل انتهى المنبر الديني؟
قد يبدو من هذه المعطيات أن المنبر الديني في طريقه إلى الانتهاء. لكن هذا الاستنتاج غير دقيق. فالمنبر لا ينتهي، لأنه ليس مجرد وسيلة لإيصال المعلومات، بل هو فضاء للمشاعر، والمعنى، والروح، والاتصال الإنساني الحي.
التكنولوجيا تستطيع أن تسرق الانتباه، لكنها لا تشبع الروح. تستطيع أن تقدم محتوى مذهلًا، لكنها لا تمنح الإنسان معنى وجوديًا عميقًا. تستطيع أن تحاكي اللغة والصورة والصوت، لكنها لا تمتلك حرارة التجربة الإنسانية ولا صدق العاطفة ولا طاقة الحضور الروحي.
ومن هنا فإن التحدي لا يعني نهاية المنبر، بل يعني ضرورة مرونته عبر التجديد للتكيف مع الواقع الرقمي الجديد. فالمنبر الذي يفهم العصر ويقرأ الإنسان الرقمي الجديد يستطيع أن يستعيد دوره، بل قد تكون له حاجة أكبر في المستقبل، لأن الإنسان كلما ازداد غرقًا في التقنية ازداد احتياجًا إلى الايمان والمعنى والطمأنينة والروح.
حاجة الخطيب إلى علم النفس الرقمي
أمام هذه التحولات، لم يعد كافيًا أن يمتلك الخطيب معرفة دينية تقليدية فقط. بل يحتاج إلى فهم خاص لما يمكن تسميته “علم النفس الرقمي”.
فالخطيب اليوم يخاطب إنسانًا جديدًا صنعته شبكات التواصل، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والمقاطع القصيرة، والتشتت المستمر. هذا الإنسان له طريقة مختلفة في الانتباه، وطريقة مختلفة في التفاعل، وحساسية مختلفة تجاه اللغة والصورة والإيقاع والمشاعر.
لذلك يحتاج الخطيب إلى أن يعرف كيف يتحدث مع هذا الإنسان، لا بالتنازل إلى مستوى التفاهة، ولا بالذوبان في ثقافة القطيع، بل بفهم الذهنية الجديدة واستثمارها لصالح المعنى، والقيم، والهداية، والبناء الروحي.
من الخطاب الطويل إلى الخطاب المقطعي المتسلسل
من المهم أن يطوّر المنبر أسلوبه في البناء. فالخطاب التقليدي الطويل والمتشعب قد يشتت المتلقي الجديد بدل أن يجذبه. لذلك يحتاج المنبر إلى اعتماد أسلوب مقطعي متسلسل، بحيث تُبنى المحاضرة من وحدات فكرية ووجدانية واضحة.
كل مقطع يحمل فكرة محددة، ثم ينتقل الخطيب إلى مقطع آخر بسلاسة، مع الحفاظ على وحدة الموضوع. وبهذا يستطيع الخطيب أن يجمع بين عمق الفكرة ومتطلبات الانتباه الجديد.
ليس المطلوب إلغاء العمق أو تحويل المنبر إلى مقاطع سطحية، بل المطلوب إعادة هندسة العمق بطريقة قابلة للتلقي. فالفكرة العميقة يمكن أن تُقدّم ضمن بناء واضح، ومراحل قصيرة، وانتقالات ذكية، دون أن تفقد قيمتها.
المشاعر مدخل إلى الفكرة
من أهم ما يحتاج إليه المنبر في هذا العصر التركيز على البعد الشعوري والمعنوي. فقد سلبت التكنولوجيا كثيرًا من دفء الإنسان، وأضعفت إحساسه بالواقع، وقللت قدرته على الاتصال الحي بالآخرين.
لذلك ينبغي أن يبدأ الخطاب الديني من القلب، لا بمعنى الاكتفاء بالعاطفة، بل بمعنى جعل العاطفة مدخلًا إلى الفكرة. فحين تلين المشاعر، تصبح الفكرة أكثر قابلية للدخول إلى الوعي.
المشاعر هنا ليست بديلًا عن الفكر، بل هي طريق إليه. والمنبر الحسيني خصوصًا يمتلك طاقة وجدانية هائلة إذا أُحسن توظيفها، لأنه يجمع بين الحزن النبيل، والولاء، والعدل، والكرامة، والرفض الأخلاقي للظلم، وبناء الإنسان من الداخل.
توظيف التكنولوجيا دون الخضوع لها
لا ينبغي للمنبر أن يرفض التكنولوجيا رفضًا كاملًا، ولا أن يستسلم لها استسلامًا كاملًا. المطلوب هو التوظيف الواعي. يمكن استخدام الوسائل الحديثة والمؤثرات والطرائق التفاعلية في خدمة الفكرة والمشاعر، لا في تفريغ الخطاب من مضمونه.
قد يحتاج المنبر إلى قدر من التفاعل، وإلى أشكال عرض جديدة، وإلى دمج محسوب بين الصورة والصوت والإيقاع والمحتوى، ولكن بشرط أن تبقى التكنولوجيا خادمة للمعنى، لا بديلة عنه.
فالخطر ليس في استعمال التكنولوجيا، بل في أن يصبح الخطيب تابعًا لمنطقها، وأن يتحول المنبر إلى نسخة دينية من المحتوى الاستهلاكي السريع.
تدريب الخطباء على مهارات جديدة
من الضروري أن يدخل تدريب الخطباء مرحلة جديدة. فالخطيب المعاصر يحتاج إلى مهارات إضافية، منها:
فهم نفسية الإنسان الرقمي.
إدارة الانتباه داخل المجلس.
بناء المحاضرة بطريقة مقطعية مترابطة.
الجمع بين العاطفة والفكرة.
استخدام اللغة المؤثرة والواضحة.
توظيف التكنولوجيا دون الوقوع في سطحيتها.
معرفة أثر الخوارزميات على السلوك والانتباه.
القدرة على مخاطبة الشباب بلغتهم النفسية لا بلغتهم الهابطة.
هذه المهارات يمكن أن تُدرّس في الحوزات، أو المعاهد، أو الدورات المتخصصة، لأن المنبر لم يعد يواجه جمهور الأمس، بل جمهورًا تشكل وعيه داخل بيئة مختلفة تمامًا.
مستقبل المنبر: المعنى في مواجهة الفراغ الرقمي
رغم كل التحديات، يبقى للمنبر مستقبل مهم، وربما يصبح أكثر ضرورة في عالم الذكاء الاصطناعي. فكلما ازدادت التقنية قوة، ازداد الإنسان حاجة إلى ما لا تمنحه التقنية: المعنى، والروح، والحنان، والطمأنينة، والاتصال الإنساني، والإحساس بالوجود.
الذكاء الاصطناعي قد ينتج كلامًا، لكنه لا يمنح خشوعًا حقيقيًا. والخوارزمية قد تقترح محتوى، لكنها لا تصنع هداية. والمنصة قد تجمع ملايين المشاهدات، لكنها لا تبني بالضرورة إنسانًا صالحًا متوازنًا.
لذلك فإن المنبر، إذا تجدد بوعي مع الحفاظ على اصالته، يمكن أن يتحول إلى مساحة مقاومة روحية وثقافية ضد التشتت والفراغ والسطحية. ويمكن أن يعيد للإنسان قدرته على الإصغاء، والتأمل، والبكاء النبيل، والتفكير، والعودة إلى ذاته.
الخلاصة
إن التحدي الذي يواجه المنبر الديني اليوم ليس تحديًا تقنيًا فقط، بل هو تحدي الإنسان نفسه: الإنسان الذي سُرق انتباهه، وتشتت وعيه، وضعفت صلته بالواقع، وانكمشت قدرته على الإصغاء العميق.
لكن هذا التحدي لا يعني نهاية المنبر، بل يدعو إلى تكيفه مع التطور الرقمي. فالمنبر الذي يفهم الذكاء الاصطناعي، ويعي أثر الخوارزميات، ويدرس نفسية الإنسان الرقمي، ويجدد أدواته دون أن يفرط بروحه، يستطيع أن يبقى مؤثرًا، بل أن يصبح ضرورة في زمن فقد فيه الإنسان كثيرًا من المعنى.
إن المستقبل ليس للخطاب التقليدي الجامد، ولا للخطاب المستسلم للتكنولوجيا، بل للخطاب الذي يجمع بين الأصالة والوعي، وبين العاطفة والفكر، وبين حرارة المنبر وفهم العصر.