الاقتصاد الكلي.. التعريف، التاريخ، والمدارس الفكرية

شبكة النبأ

2026-02-04 03:18

يقدم هذا المقال الذي نشرته منصة (Investopedia)، دليلاً شاملاً حول "الاقتصاد الكلي" بوصفه الفرع الذي يدرس سلوك الاقتصاد ككيان كلي متكامل. يستعرض المقال تطور هذا العلم منذ بداياته الكلاسيكية وصولاً إلى ثورة "جون ماينارد كينز" في الثلاثينيات، موضحاً كيف تساهم مؤشرات الناتج المحلي، والتضخم، والبطالة في رسم السياسات المالية والنقدية للدول. كما يحلل التباين بين المدارس الفكرية المختلفة والفرق الجوهري بين الاقتصاد الكلي والجزئي، مؤكداً على دور هذه الدراسات في مساعدة الحكومات والشركات على فهم الدورات الاقتصادية واتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على رؤية شاملة للسوق.

ما هو الاقتصاد الكلي؟

الاقتصاد الكلي هو مجال دراسي يفحص سلوك الاقتصاد، بما في ذلك الأسواق والشركات والمستهلكين والحكومات. كما يبحث في الظواهر التي تؤثر على الاقتصاد بأكمله مثل التضخم، ومستويات الأسعار، ومعدل النمو الاقتصادي، والدخل القومي، والناتج المحلي الإجمالي (GDP)، والتغيرات في معدلات البطالة.

ومن الأسئلة الجوهرية التي يتناولها الاقتصاد الكلي: ما الذي يسبب البطالة؟ وما الذي يسبب التضخم؟ وما الذي يخلق أو يحفز النمو الاقتصادي؟ يحاول الاقتصاد الكلي قياس مدى جودة أداء الاقتصاد، وفهم القوى التي تحركه، وتوقع كيفية تحسين هذا الأداء.

نقاط رئيسية

* المجالان الرئيسيان لأبحاث الاقتصاد الكلي هما النمو الاقتصادي طويل الأجل والدورات الاقتصادية قصيرة الأجل.

* غالباً ما يُعرّف الاقتصاد الكلي بشكلة الحديث على أنه بدأ مع "جون ماينارد كينز" ونظرياته حول سلوك السوق والسياسات الحكومية في ثلاثينيات القرن العشرين؛ وقد تطورت عدة مدارس فكرية منذ ذلك الحين.

* على النقيض من الاقتصاد الكلي، يركز الاقتصاد الجزئي بشكل أكبر على التأثيرات والخيارات التي يتخذها الفاعلون الأفراد —مثل الأشخاص والشركات والصناعات— في الاقتصاد.

فهم الاقتصاد الكلي

كما يوحي المصطلح، فإن الاقتصاد الكلي هو مجال دراسي يحلل الاقتصاد من خلال عدسة واسعة. ويشمل ذلك النظر في متغيرات مثل البطالة، والناتج المحلي الإجمالي، والتضخم. بالإضافة إلى ذلك، يطور خبراء الاقتصاد الكلي نماذج تشرح العلاقات بين هذه العوامل.

تستخدم الجهات الحكومية هذه النماذج، والتوقعات التي تنتج عنها، للمساعدة في بناء وتقييم السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية. وتستخدم الشركات هذه النماذج لوضع الاستراتيجيات في الأسواق المحلية والعالمية، بينما يستخدمها المستثمرون للتنبؤ والتحضير للتحركات في فئات الأصول المختلفة.

وإذا طُبقت النظريات الاقتصادية بشكل صحيح، فإنها يمكن أن توضح كيفية عمل الاقتصادات والنتائج طويلة الأجل لسياسات وقرارات معينة. كما يمكن لنظرية الاقتصاد الكلي مساعدة الشركات الفردية والمستثمرين على اتخاذ قرارات أفضل من خلال فهم أكثر شمولاً لآثار الاتجاهات والسياسات الاقتصادية العامة على صناعاتهم الخاصة.

تاريخ الاقتصاد الكلي

بينما يعود مصطلح "الاقتصاد الكلي" إلى الأربعينيات من القرن الماضي، فإن العديد من المفاهيم الأساسية في هذا المجال كانت موضوعاً للدراسة لفترة أطول بكثير. فمواضيع مثل البطالة والأسعار والنمو والتجارة شغلت الاقتصاديين منذ بداية هذا العلم في القرن الثامن عشر. وقد تناولت عناصر من أعمال مبكرة لـ "آدم سميث" و"جون ستيوارت ميل" قضايا تُعرف الآن بأنها من اختصاص الاقتصاد الكلي.

وفي شكله الحديث، يُعرّف الاقتصاد الكلي غالباً ببدئه مع "جون ماينارد كينز" وكتابه "النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقد" عام 1936. وفيه، شرح كينز تداعيات الكساد الكبير، عندما بقيت السلع دون بيع والعمال دون وظائف.

حقيقة سريعة: طوال القرن العشرين، انشقت الاقتصاد الكينزي (كما أصبحت تُعرف نظريات كينز) إلى عدة مدارس فكرية أخرى.

قبل انتشار نظريات كينز، لم يكن الاقتصاديون يفرقون عموماً بين الاقتصاد الجزئي والكلي. وكان يُفهم أن قوانين العرض والطلب الجزئية نفسها التي تعمل في أسواق السلع الفردية تتفاعل فيما بينها لجلب الاقتصاد إلى حالة توازن عام، كما وصفها "ليون والراس".

أما الصلة بين أسواق السلع والمتغيرات المالية واسعة النطاق مثل مستويات الأسعار وأسعار الفائدة، فقد فُسرت من خلال الدور الفريد الذي يلعبه النقد في الاقتصاد كوسيط للتبادل، وذلك بواسطة اقتصاديين مثل "كنوت ويكسل"، و"إيرفينج فيشر"، و"لودفيج فون ميزس".

الاقتصاد الكلي مقابل الاقتصاد الجزئي

يختلف الاقتصاد الكلي عن الاقتصاد الجزئي، الذي يركز على العوامل الأصغر التي تؤثر على الخيارات التي يتخذها الأفراد. وعادة ما يُصنف الأفراد في مجموعات فرعية، مثل المشترين والبائعين وأصحاب الأعمال. ويتفاعل هؤلاء الفاعلون مع بعضهم البعض وفقاً لقوانين العرض والطلب على الموارد، باستخدام المال وأسعار الفائدة كآليات تسعير للتنسيق. وغالباً ما تؤثر العوامل المدروسة في كل من الاقتصاد الجزئي والكلي على بعضها البعض.

والفرق الجوهري بينهما هو أن المتغيرات الكلية المجمعة قد تسلك أحياناً سلوكاً مختلفاً تماماً أو حتى معاكساً للمتغيرات الجزئية المماثلة. على سبيل المثال، أشار كينز إلى ما يسمى بـ "مفارقة الادخار"، والتي تجادل بأن الأفراد يدخرون المال لبناء الثروة على المستوى الجزئي، ولكن عندما يحاول الجميع زيادة مدخراتهم في وقت واحد، فقد يسهم ذلك في تباطؤ الاقتصاد وتقليل الثروة على المستوى الكلي الإجمالي؛ وذلك بسبب انخفاض الإنفاق الذي يؤثر على إيرادات الشركات ويخفض أجور العمال.

حدود الاقتصاد الكلي

من المهم أيضاً فهم حدود النظرية الاقتصادية. فغالباً ما تُصاغ النظريات في معزل عن الواقع وتفتقر إلى تفاصيل حقيقية محددة مثل الضرائب والتشريعات وتكاليف المعاملات. كما أن العالم الحقيقي معقد للغاية ويتضمن مسائل تتعلق بالتفضيلات الاجتماعية والضمير التي لا تخضع للتحليل الرياضي.

هام: من الشائع العثور على عبارة *Ceterus Paribus* (مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة) في النظريات والمناقشات الاقتصادية. يستخدم الاقتصاديون هذه العبارة للتركيز على علاقات محددة بين المتغيرات محل البحث، مع افتراض بقاء جميع المتغيرات الأخرى دون تغيير.

ورغم حدود النظرية الاقتصادية، فمن المهم والمفيد متابعة المؤشرات الكلية المهمة مثل الناتج المحلي الإجمالي، والتضخم، والبطالة؛ لأن أداء الشركات، وبالتالي أسهمها، يتأثر بشكل كبير بالظروف الاقتصادية التي تعمل فيها.

وبالمثل، قد يكون من الضروري فهم أي النظريات هي السائدة حالياً، وكيف يمكن أن تؤثر على إدارة حكومية معينة. فمثل هذه النظريات يمكن أن تكشف الكثير عن كيفية تعامل الحكومة مع الضرائب واللوائح والإنفاق الحكومي والسياسات المماثلة. ومن خلال فهم أفضل للاقتصاد وتداعيات القرارات الاقتصادية، يمكن للمستثمرين الحصول على لمحة عن المستقبل المحتمل والتصرف بناءً على ذلك بثقة.

مدارس الفكر في الاقتصاد الكلي

ينقسم مجال الاقتصاد الكلي إلى العديد من المدارس الفكرية المختلفة، مع وجهات نظر متباينة حول كيفية عمل الأسواق والمشاركين فيها.

1. المدرسة الكلاسيكية

يرى الاقتصاديون الكلاسيكيون أن الأسعار والأجور والمعدلات مرنة والأسواق تميل إلى التوازن التلقائي ما لم تمنعها السياسة الحكومية من ذلك؛ وتستند هذه الأفكار إلى نظريات آدم سميث الأصلية. مصطلح "الاقتصاديون الكلاسيكيون" ليس مدرسة في حد ذاته، بل هو تصنيف أطلقه كارل ماركس أولاً ثم كينز للإشارة إلى المفكرين الاقتصاديين السابقين الذين اختلفوا معهم.

2. المدرسة الكينزية

تأسس الاقتصاد الكينزي بشكل أساسي بناءً على أعمال جون ماينارد كينز، وكان بمثابة بداية الاقتصاد الكلي كمجال دراسة مستقل عن الاقتصاد الجزئي. يركز الكينزيون على الطلب الكلي كعامل رئيسي في قضايا مثل البطالة والدورة الاقتصادية. ويعتقدون أنه يمكن إدارة الدورة الاقتصادية من خلال التدخل الحكومي النشط عبر السياسة المالية، حيث تنفق الحكومات أكثر في فترات الركود لتحفيز الطلب أو تنفق أقل في فترات الانتعاش لتقليله. كما يؤمنون بالسياسة النقدية، حيث يحفز البنك المركزي الإقراض بأسعار فائدة منخفضة أو يقيده بأسعار مرتفعة. ويعتقدون أيضاً بوجود صلابة في النظام، خاصة "جمود الأسعار"، مما يمنع التوازن الصحيح بين العرض والطلب.

3. المدرسة النقدية (Monetarist)

هي فرع من الاقتصاد الكينزي ويُنسب الفضل فيها بشكل أساسي إلى أعمال "ميلتون فريدمان". يجادل المنقديون، من خلال العمل ضمن النماذج الكينزية وتوسيعها، بأن السياسة النقدية هي عموماً أداة سياسة أكثر فاعلية ومرغوبة لإدارة الطلب الكلي من السياسة المالية. ومع ذلك، يقرون بحدود للسياسة النقدية تجعل التدخل الدقيق في الاقتصاد غير مستحسن، ويفضلون بدلاً من ذلك الالتزام بقواعد السياسة التي تعزز معدلات تضخم مستقرة.

4. المدرسة الكلاسيكية الجديدة (New Classical)

تعتمد هذه المدرسة، إلى جانب "الكينزيين الجدد"، بشكل أساسي على دمج الأسس الاقتصادية الجزئية في الاقتصاد الكلي لحل التناقضات النظرية الصارخة بين الموضوعين. وتؤكد على أهمية النماذج القائمة على سلوك الأفراد الذين يحاولون تعظيم منفعتهم ولديهم توقعات عقلانية. ويعتقدون أن البطالة طوعية إلى حد كبير، وأن السياسة المالية التقديرية تسبب زعزعة الاستقرار، بينما يمكن السيطرة على التضخم بالسياسة النقدية.

5. المدرسة الكينزية الجديدة (New Keynesian)

تحاول أيضاً إضافة أسس جزئية إلى النظريات الكينزية التقليدية. وبينما يقبلون بأن الأسر والشركات تعمل بناءً على توقعات عقلانية، إلا أنهم لا يزالون متمسكين بوجود إخفاقات متنوعة في السوق، بما في ذلك جمود الأسعار والأجور. وبسبب هذا "الجمود"، يمكن للحكومة تحسين الظروف الكلية من خلال السياسات المالية والنقدية.

6. المدرسة النمساوية

هي مدرسة قديمة تشهد بعض الانتعاش في شعبيتها. تنطبق نظرياتها بشكل أساسي على الظواهر الجزئية، ولكن مثل الكلاسيكيين، لم يفصلوا أبداً بشكل صارم بين الاقتصاد الجزئي والكلي. وللنظريات النمساوية تداعيات مهمة على ما يُعتبر مواضيع كلية؛ فمثلاً، تفسر "نظرية الدورة الاقتصادية النمساوية" التقلبات المتزامنة في النشاط الاقتصادي عبر الأسواق نتيجة للسياسة النقدية والدور الذي يلعبه النقد والبنوك في ربط الأسواق ببعضها البعض عبر الزمن.

مؤشرات الاقتصاد الكلي

الاقتصاد الكلي مجال واسع، لكن هناك منطقتان بحثيتان تهيمنان عليه: الأولى تبحث في العوامل التي تحدد النمو الاقتصادي طويل الأجل، والأخرى تبحث في أسباب ونتائج التقلبات قصيرة الأجل في الدخل القومي والتوظيف (الدورة الاقتصادية).

النمو الاقتصادي

يشير إلى الزيادة في الإنتاج الكلي في الاقتصاد. ويحاول الخبراء فهم العوامل التي تعزز أو تعيق النمو لدعم السياسات التي ترفع مستويات المعيشة. ويستخدمون مؤشرات تقع ضمن 10 فئات:

1. مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي: تقيس كمية ما ينتجه الاقتصاد.

2. مؤشرات إنفاق المستهلكين: تقيس مقدار رأس المال الذي يعيده المستهلكون إلى الاقتصاد.

3. مؤشرات الدخل والادخار: تقيس مقدار ما يكسبه ويدخره المستهلكون.

4. مؤشرات أداء الصناعة: تقيس الناتج المحلي الإجمالي حسب الصناعة.

5. مؤشرات التجارة الدولية والاستثمار: تشير إلى ميزان المدفوعات وحجم التجارة والاستثمارات الدولية.

6. مؤشرات الأسعار والتضخم: تشير إلى تقلبات الأسعار والتغير في القوة الشرائية للعملة.

7. مؤشرات الاستثمار في الأصول الثابتة: تشير إلى مقدار رأس المال المقيد في الأصول الثابتة.

8. مؤشرات التوظيف: تظهر التوظيف حسب الصناعة والولاية وغيرها.

9. المؤشرات الحكومية: تظهر مقدار ما تنفقه الحكومة وما تجمعه.

10. مؤشرات خاصة: تشمل توزيع الدخل الشخصي، وسلاسل القيمة العالمية، والإنفاق على الرعاية الصحية، وغيرها.

الدورة الاقتصادية

فوق اتجاهات النمو طويلة الأجل، تمر المتغيرات الكلية مثل التوظيف والإنتاج القومي بتقلبات تسمى: الانتعاش، القمة، الركود، والقاع (بهذا الترتيب). وتسمى "دورة الأعمال" أو الدورة الاقتصادية. ويقوم "المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية" (NBER) في الولايات المتحدة بقياس وتحديد تواريخ هذه الدورات وإعلان بدايات ونهايات الركود.

كيفية التأثير على الاقتصاد الكلي

نظراً لكونه مجالاً واسعاً، فإن التأثير الإيجابي على الاقتصاد يمثل تحدياً ويستغرق وقتاً أطول من تغيير السلوكيات الفردية. في الولايات المتحدة، يعتبر "الاحتياطي الفيدرالي" هو البنك المركزي المكلف بزيادة التوظيف واستقرار الأسعار، ويستخدم أدوات السياسة النقدية مثل:

* نطاق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية.

* عمليات السوق المفتوحة (بيع وشراء الأوراق المالية).

* نافذة الخصم وسعر الخصم.

* متطلبات الاحتياطي.

* الفائدة على أرصدة الاحتياطي.

* اتفاقيات إعادة الشراء (Repo).

* مقايضات السيولة بين البنوك المركزية.

أسئلة شائعة

* ما هو المفهوم الأهم في الاقتصاد الكلي؟ يقال إنه "الإنتاج" (Output)، وهو إجمالي السلع والخدمات التي ينتجها البلد، ويعتبر لقطة فورية لحالة الاقتصاد.

* ما هي الاهتمامات الثلاثة الرئيسية؟ مستوى البطالة، التضخم، والنمو الاقتصادي.

* لماذا هو مهم؟ يساعد الحكومات على تقييم أداء الاقتصاد واتخاذ قرارات لزيادة النمو أو إبطائه.

الخلاصة

الاقتصاد الكلي هو مجال دراسي لتقييم الأداء الاقتصادي العام وتطوير إجراءات تؤثر إيجابياً على الاقتصاد. يعمل الاقتصاديون على فهم كيفية تأثير عوامل محددة على الإنتاج والإنفاق والاستهلاك والتضخم والتوظيف. ورغم أن دراسة الاقتصاد قديمة، إلا أن المجال لم يتخذ شكله الحالي إلا في القرن الثامن عشر، وهو يلعب الآن دوراً ضخماً في صنع القرار الحكومي والتجاري.

ذات صلة

التأسيس لدولة العدل بظهور الإمام المهدي(ع)دولة الأخلاق المهدوية: ميثاق النجاة في عصر الانهيار القيميتجربة العلاقة بالقائد الغائبالبيع العشوائي: ترحيل مؤقت يتبعه عودة حتميةمعالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر