المخاطر السياسية والاستثمار الدولي

شبكة النبأ

2026-01-06 04:21

يمثل مفهوم "المخاطر السياسية" (Political Risk) متغيراً جوهرياً يقع خارج آليات السوق التقليدية (العرض والطلب)، حيث يصبح القرار السياسي والسيادي للدولة المضيفة عاملاً حاسماً في تحديد مصير الاستثمارات الأجنبية. يستعرض هذا النص الإطار المفاهيمي لهذه المخاطر عبر تصنيفها منهجياً إلى مخاطر كلية (Macro) تؤثر على كافة الفاعلين الاقتصاديين، ومخاطر جزئية (Micro) تستهدف قطاعات أو شركات بعينها. كما يناقش النص استراتيجيات التحوط (Hedging Strategies) التي تعتمدها الشركات متعددة الجنسيات لتقليل الانكشاف على هذه المخاطر، بدءاً من إجراءات "العناية الواجبة" والبحث الاستباقي، مروراً بالتحصين القانوني عبر الاتفاقيات المباشرة، وصولاً إلى خيارات التأمين المتخصص ضد التقلبات السياسية.

ما هي المخاطر السياسية؟

المخاطر السياسية هي المخاطر التي تواجه عوائد الاستثمار وتجعلها عرضة للتأثر نتيجة التغيرات السياسية أو عدم الاستقرار في الدولة. يمكن أن تنبع عدم الاستقرارية التي تؤثر على عوائد الاستثمار من التغير في الحكومة، أو الهيئات التشريعية، أو صناع السياسات الخارجية الأخرى، أو السيطرة العسكرية. تعرف المخاطر السياسية أيضًا باسم "المخاطر الجيوسياسية"، وتزداد أهميتها كلما طالت الفترة الزمنية للاستثمار.

فهم المخاطر السياسية

لا يوجد استثمار خالٍ من المخاطر بشكل كامل، فكل استثمار يحمل في طياته احتمالية انخفاض قيمته بمرور الوقت. بعض هذه المخاطر "قائمة على السوق"، حيث تنشأ من عوامل مثل العرض والطلب. ولكن هناك مخاطر أخرى "غير قائمة على السوق"، وهي التي تنشأ عن القرارات السياسية والأحداث التي تؤثر على بيئة الأعمال.

عندما يفكر المستثمرون في المخاطر السياسية، يتبادر إلى أذهانهم عادة الاضطرابات العنيفة، مثل الإطاحة بحكومة عبر انقلاب عسكري، أو اندلاع العنف والحروب. وعلى الرغم من أن هذه الأحداث تؤدي فعلاً إلى خسائر فادحة وتغلق الأسواق، إلا أن المخاطر السياسية الأكثر شيوعاً غالباً ما تكون أقل دراماتيكية ولكنها مؤثرة، مثل تغيير القوانين أو اللوائح التنظيمية.

أنواع المخاطر السياسية

بجانب عوامل السوق التقليدية، تتأثر الشركات بالقرارات السياسية. تتخذ الحكومات قرارات متنوعة يمكنها التأثير على الشركات الفردية، أو قطاعات صناعية بأكملها، أو الاقتصاد الكلي. تشمل هذه القرارات:

* الضرائب والإنفاق الحكومي.

* اللوائح التنظيمية.

* تقييم العملة.

* التعريفات الجمركية (الرسوم التجارية).

* قوانين العمل (مثل الحد الأدنى للأجور).

* اللوائح البيئية.

حتى القوانين التي لا تزال "مقترحة" فقط يمكن أن يكون لها تأثير. ويمكن وضع هذه اللوائح على جميع المستويات الحكومية (فيدرالية، ولائية، ومحلية) وكذلك في دول أخرى.

يمكن العثور على بعض المخاطر السياسية في إفصاحات الشركات المقدمة إلى "هيئة الأوراق المالية والبورصات" (SEC) أو في نشرات الاكتتاب الخاصة بصناديق الاستثمار المشترك.

التأمين ضد المخاطر السياسية

يمكن للشركات التي تعمل دولياً (الشركات متعددة الجنسيات) شراء "تأمين ضد المخاطر السياسية" لإزالة أو تخفيف حدة بعض هذه المخاطر. يسمح هذا للإدارة والمستثمرين بالتركيز على أساسيات العمل التجاري مع العلم بأن الخسائر الناتجة عن المخاطر السياسية (مثل الحروب أو الإرهاب) سيتم تجنبها أو الحد منها.

مثال عملي

حددت شركة "وول مارت" (Wal-Mart Stores Inc) بعض المخاطر السياسية التي تواجهها في تقريرها المالي السنوي (نموذج 10-K) لعام 2015 ضمن قسم مخاطر التشغيل.

* فيما يخص الموردين: ذكرت "وول مارت" احتمالية عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في الدول التي يعمل فيها الموردون الأجانب، ومشاكل العمالة، والسياسات التجارية الخارجية والتعريفات الجمركية التي قد تُفرض.

* فيما يخص المخاطر التنظيمية والامتثال: حددت الشركة المخاطر المرتبطة بالتشريعات والقضاء واللوائح. وشملت عوامل الخطر المذكورة: عدم الاستقرار السياسي، القيود القانونية والتنظيمية، قوانين سلامة المنتجات المحلية والقوانين البيئية، اللوائح الضريبية، وقوانين العمل المحلية. وقد ذكرت الشركة "البرازيل" وتحدثت تحديداً عن تعقيد قوانينها الفيدرالية والولائية والمحلية.

كيف تقلل الشركات متعددة الجنسيات المخاطر السياسية؟

تتعلق المخاطر السياسية للشركات متعددة الجنسيات بقرارات الدولة المضيفة التي تؤثر سلباً على الأرباح. وتشمل المخاطر السياسية أحداثاً تتراوح بين الثورات إلى التغييرات المالية التي تمنع حركة رأس المال. ويمكن للشركات إدارة المخاطر السياسية عبر التأمين، والبحث (العناية الواجبة)، واتفاقيات التعويض.

* المخاطر الكلية (Macro Risk): تؤثر على جميع الشركات الأجنبية.

* المخاطر الجزئية (Micro Risk): تؤثر على قطاعات أو شركات محددة.

* قد ينطوي دخول البلدان عالية المخاطر على "مخاطرة محسوبة" وتحديات قانونية محتملة.

ما هي المخاطر السياسية وكيف تقللها الشركات؟

تشير المخاطر السياسية إلى خطر قيام الدولة المضيفة باتخاذ قرارات سياسية تؤدي إلى تأثيرات سلبية على أرباح أو أهداف الشركات متعددة الجنسيات.

من أمثلة الإجراءات السياسية الضارة: الدمار الواسع الناتج عن الثورات، والقوانين الجديدة التي تمنع حركة رؤوس الأموال. كما قد ينبع عدم الاستقرار من تغيير الحكومة، أو الهيئات التشريعية، أو صناع السياسات الأجانب، أو السيطرة العسكرية.

من المهم الاستعداد لهذه المخاطر وتخفيفها. أحد الحلول هو شراء تأمين ضد المخاطر السياسية، رغم أنه لا يضمن حصول الشركة على تعويض فوري بعد وقوع الحدث الضار.

بشكل عام، هناك نوعان من المخاطر السياسية:

1. المخاطر الكلية (Macro Risk): تشير إلى الإجراءات الضارة التي تؤثر على جميع الشركات الأجنبية في الدولة، مثل المصادرة (Expropriation) أو التمرد العصيان.

2. المخاطر الجزئية (Micro Risk): تشير إلى الإجراءات الضارة التي تؤثر فقط على قطاع صناعي معين أو شركة محددة، مثل الفساد أو الإجراءات المتحيزة ضد شركات من دول أجنبية معينة.

بغض النظر عن نوع الخطر، فإن الشركات غالباً ما تنتهي بخسارة الكثير من المال إذا لم تكن مستعدة لهذه المواقف.

مثال: بعد سيطرة حكومة فيدل كاسترو على كوبا عام 1959، تمت مصادرة مئات الملايين من الدولارات من الأصول والشركات المملوكة لأمريكيين. وللأسف، لم يكن لدى معظم هذه الشركات أي وسيلة لاسترداد تلك الأموال.

استراتيجيات تقليل المخاطر السياسية

كيف يمكن للشركات تقليل هذه المخاطر؟ هناك عدة تدابير يمكن اتخاذها حتى قبل الاستثمار:

1. البحث والتقييم: الحل الأبسط هو البحث في مدى خطورة الدولة، إما عبر الدفع لشركات استشارية متخصصة في هذه التقييمات، أو القيام بالبحث ذاتياً باستخدام المصادر المجانية (مثل تقارير وزارة الخارجية الأمريكية). عندها يكون لديك خيار مستنير بعدم بدء عمليات في دول تُعتبر "نقاطاً ساخنة" للمخاطر السياسية.

2. التفاوض: في بعض الأحيان، يكون احتمال دخول دولة عالية المخاطر مربحاً جداً لدرجة أنه يستحق "المخاطرة المحسوبة". في هذه الحالات، يمكن للشركات التفاوض على شروط تعويض مع الدولة المضيفة، ليكون هناك أساس قانوني للرجوع إليه إذا حدث شيء يعطل عمليات الشركة.

مشكلة هذا الحل: النظام القانوني في الدولة المضيفة قد يكون مختلفاً جذرياً، وفي بعض الأماكن نادراً ما يفوز الأجانب بقضايا ضد الدولة المضيفة. والأسوأ من ذلك، قد تأتي ثورة بحكومة جديدة لا تحترم اتفاقيات الحكومة السابقة.

تقييم خيارات التأمين ضد المخاطر السياسية

إذا قررت المضي قدماً ودخول دولة تعتبر خطرة، فإن أحد أفضل الحلول هو شراء تأمين ضد المخاطر السياسية. يمكن للشركات اللجوء إلى المنظمات المتخصصة وشراء وثيقة تعوضهم في حال وقوع حدث ضار.

تعتمد أسعار أقساط التأمين على الدولة، والصناعة، وعدد المخاطر المؤمن عليها، لذا تختلف تكلفة ممارسة الأعمال من دولة لأخرى بشكل كبير.

ملاحظة هامة: شراء التأمين لا يضمن التعويض الفوري. يجب استيفاء شروط معينة، مثل محاولة استخدام قنوات أخرى لاسترداد الحقوق وإثبات درجة تضرر الأعمال. في النهاية، قد تضطر الشركة للانتظار لعدة أشهر قبل استلام أي تعويض.

الخلاصة

أرباح وأهداف الشركات متعددة الجنسيات مهددة بالمخاطر السياسية. يأتي هذا الخطر في شكلين: كلي (Macro) وجزئي (Micro). قبل دخول سوق جديد، من المهم إجراء العناية الواجبة والبحث في المخاطر. شراء التأمين هو إحدى أدوات التخفيف، لكنه له قيود وشروط، مثل عدم ضمان الدفع الفوري. كما يُعد التفاوض على شروط التعويض مع الدول المضيفة خطوة هامة لتأمين ملاذ قانوني في حال تأثرت العمليات.

* المصدر: Investopedia

ذات صلة

الإبداع وتحريك الطاقاتالعقلية الذكية للقائد.. الفرق بين المدير التقليدي والمدير الذكيواجب التضامن مع فنزويلا ورفض العدوانما عاد للمسكنات من جدوىليلة القبض على مادورو