الباحثة ريام قاسم لـ شبكة النبأ: إحياء التراث التفسيري ضرورة ملحة لمواجهة تحديات الحاضر
أوس ستار الغانمي
2026-07-29 03:50
بين أرفف المخطوطات القديمة، حيث تستقر أوراق التاريخ وتنتظر المعارف من يزيح عنها غبار الزمن، وجدت الباحثة العراقية ريام قاسم عبد الأمير كنزاً علمياً يستحق الإحياء.
من داخل قسم الدراسات القرآنية والفقه في كلية العلوم الإسلامية بجامعة كربلاء، برزت جهود بحثية رصينة لإخراج مخطوطة دافع البلية للشيخ محمّد محسن الرشتي الأصفهاني إلى النور، وهي نصوص قرآنية ظلت حبيسة الخزائن لقرون طويلة. هذا العمل الأكاديمي يمثل محاولة جادة لقراءة التراث التفسيري بعين العصر، وبأمانة المحقق الحريص على حفظ الأمانة العلمية.
اليوم، نفتح معكم هذه الخزانة العلمية في حوار خاص، لنستعرض كواليس هذا الإنجاز الذي تم بإشراف الأستاذ الدكتور محمد علي هوبي الربيعي، في رحلة تهدف إلى استحضار الماضي وتقديم إرث قرآني حي يلامس تساؤلات الحاضر.
أهلاً بكِ معنا الباحثة ريام قاسم، ونبدأ معكِ من لحظة اللقاء الأول مع هذه المخطوطة..
كيف تصفين شعوركِ وأنتِ تنفضين الغبار عن مخطوط ظل حبيس الخزائن لقرون، وكيف أثر هذا اللقاء الأول في نظرتكِ للشيخ الأصفهاني؟
كان شعورًا يصعب وصفه بالكلمات، لأنني لم أكن أتعامل مع أوراقٍ قديمة فحسب، بل مع إرث علمي يحمل فكر أحد علماء التفسير الذين بذلوا جهودًا كبيرة في خدمة كتاب الله تعالى. منذ اللحظات الأولى لقراءة المخطوط شعرت أنني أمام عمل يستحق أن يعود إلى الساحة العلمية بعد سنوات طويلة من الغياب. وقد كشف لي هذا اللقاء عن سعة علم الشيخ محمد محسن بن رفيع رشتي الأصفهاني، وعمق منهجه في تناول الآيات القرآنية، ودقته في عرض الأقوال ومناقشتها. كما عزز لديّ الإيمان بأهمية تحقيق التراث وإحيائه، لأنه يمثل حلقة وصل بين جهود العلماء السابقين والباحثين المعاصرين. ولذلك شعرت بأن تحقيق هذا المخطوط ليس مجرد إنجاز أكاديمي، بل رسالة علمية وأمانة ينبغي أداؤها بأفضل صورة ممكنة.
اختيار دافع البليّة ليس مجرد اختيار أكاديمي، ما الذي وجدتهِ في هذا النص تحديدًا ليجعلكِ تشعرين بضرورة إخراجه للنور الآن؟
لم يكن اختياري لهذا المخطوط وليد الصدفة، بل جاء بعد أن تفضّل أستاذي المشرف الأستاذ الدكتور محمد علي هوبي الربيعي بتوفير المخطوطة لي، وإرشادي إلى أهميتها العلمية وقيمتها التراثية. وعند الاطلاع عليها وجدت أنها تضم مادة تفسيرية ثرية لم تحظَ بتحقيق علمي سابق، على الرغم من مكانة مؤلفها وأسلوبه المتميز في تفسير القرآن الكريم. كما تمتاز بالمزج بين علوم التفسير واللغة والفقه والعقيدة، مما يجعلها مصدرًا علميًا مهمًا للباحثين. وإحياء مثل هذه المخطوطات يسهم في حفظ التراث الإسلامي وإبراز جهود العلماء في خدمة كتاب الله، لذلك شعرت أن إخراجها إلى النور ليس مجرد عمل أكاديمي، بل مساهمة علمية في خدمة القرآن الكريم والتراث الإسلامي.
هل كان العمل على هذا المخطوط سببًا في تغيير نظرتكِ إلى قيمة التفسير التراثي أو إلى منهج العلماء القدامى؟
بالتأكيد، فقد جعلني هذا العمل أقدّر أكثر عمق المنهج الذي سلكه العلماء القدامى في التعامل مع النص القرآني. كنت أرى من خلال المخطوط كيف يجمع المفسر بين اللغة والفقه والعقيدة وأقوال السلف في بناء المعنى، وكيف يتعامل مع الآية بوصفها نصًا يحتاج إلى فهم شامل لا إلى قراءة جزئية. وهذا أكسبني احترامًا أكبر للتراث التفسيري، وأكد لي أن كثيرًا من القضايا التي نعدّها اليوم جديدة قد تناولها العلماء السابقون بوعي ودقة تستحقان الدراسة والاستفادة.
غالبًا ما يُنظر إلى التفاسير التراثية ككتلة واحدة، فكيف استطعتِ خلال دراستكِ التمييز بين المنهج الخاص للأصفهاني وبين غيره من مفسري القرن الثالث عشر؟
من خلال الدراسة المتأنية للمخطوط تبين لي أن الشيخ الأصفهاني يمتلك منهجًا واضحًا يميزه عن غيره من المفسرين في عصره. فقد كان يعتمد على الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، لكنه لم يكتفِ بنقلها، بل كان يناقشها ويستفيد من الدلالات اللغوية والبلاغية في بيان المعنى. كما اهتم بإيراد الأقوال المختلفة ثم ترجيح ما يراه أقرب إلى سياق الآية والأدلة المتوفرة. وهذا التوازن بين الرواية والتحليل منح تفسيره طابعًا علميًا خاصًا، وأبرز شخصيته التفسيرية المستقلة.
تحدثتِ عن كون التفسير موسوعة، هل كان الشيخ الأصفهاني يهدف إلى بناء صرح علمي شامل، أم أن طبيعة العصر فرضت عليه هذا التنوع؟
أرى أن الشيخ الأصفهاني كان يمتلك رؤية علمية شاملة، لذلك لم يقتصر على تفسير الألفاظ، وإنما وظف علومًا متعددة لخدمة المعنى القرآني. فقد جمع بين الفقه والعقيدة واللغة والبلاغة والرواية، مما جعل تفسيره أقرب إلى الموسوعة العلمية. ولا شك أن طبيعة البيئة العلمية في عصره أسهمت في هذا التنوع، إلا أن طريقته في توظيف تلك العلوم تدل على وعيه بأهمية التكامل المعرفي. وهذا ما منح تفسيره قيمة علمية تستحق الدراسة والاهتمام.
تطرقنا إلى الجوانب العقدية والفقهية في التفسير، هل كان الشيخ الأصفهاني مجددًا في آرائه أم كان وفيًا للنظام التفسيري السائد في عصره؟
يمكن القول إن الشيخ الأصفهاني كان وفيًا للأصول العامة للمدرسة التفسيرية التي ينتمي إليها، لكنه لم يكن مجرد ناقل للآراء. فقد أظهر قدرة واضحة على المناقشة والترجيح والاستدلال، وكان يعرض الأقوال ثم يبين ما يراه أقرب إلى الدليل. كما أن توظيفه لعلوم اللغة والفقه والعقيدة في تفسير الآيات يعكس شخصية علمية تمتلك رؤية تحليلية. لذلك يمكن وصف منهجه بأنه يجمع بين المحافظة على الأصول العلمية والاجتهاد في عرضها وتحليلها.
الاعتماد على روايات أهل البيت (عليهم السلام) يمنح المخطوط طابعًا خاصًا، كيف كان التوازن بين التوثيق الروائي والنقد العلمي خلال عملية التحقيق؟
حرصت خلال التحقيق على الالتزام بالمنهج العلمي في توثيق الروايات، وذلك بالرجوع إلى مصادرها الأصلية وإثبات مواضعها بدقة. كما ميزت بين النص الذي أورده المؤلف وبين التعليقات والإيضاحات الخاصة بالتحقيق، حتى يبقى النص محافظًا على أصالته. وعند وجود اختلافات في الروايات أو المصادر كنت أبين ذلك في الهوامش دون تدخل في نص المؤلف. وقد كان هدفي الجمع بين الأمانة العلمية وخدمة القارئ والباحث في الوقت نفسه، بما يضمن إخراج النص بصورة دقيقة وموثوقة.
من الناحية المنهجية، ما هي أصعب عقدة واجهتكِ في قراءة نص المخطوط، وكيف كانت لحظة الانتصار حين فككتِ شفرتها؟
من أصعب ما واجهني أثناء التحقيق قراءة بعض الكلمات والعبارات التي تأثرت بعوامل الزمن، فضلًا عن وجود اختلافات بين النسخ في بعض المواضع. وقد تطلب ذلك العودة إلى المصادر التي اعتمدها المؤلف، ومقارنة النصوص، والاستعانة بكتب اللغة والتفسير للوصول إلى القراءة الأقرب للصواب. وفي هذه المرحلة كان لتوجيهات أستاذي المشرف الأستاذ الدكتور محمد علي هوبي الربيعي أثرٌ كبير، إذ كان يرشدني إلى المنهج العلمي الأمثل في معالجة المواضع المشكلة، مما ساعدني على تجاوز كثير من الصعوبات. وكانت لحظة الوصول إلى القراءة الصحيحة بعد البحث والمقارنة تمنحني شعورًا كبيرًا بالرضا، لأن كل موضع يُحل يمثل خطوة نحو إخراج النص بصورة علمية دقيقة تحفظ للمؤلف جهده وللقارئ حقه.
يقال إن تحقيق المخطوطات هو جراحة دقيقة للنصوص، كيف أثرت الأمانة العلمية في قراركِ عند التعامل مع نصوص قد تحتمل أكثر من تأويل أو قراءة؟
الأمانة العلمية كانت المبدأ الأساس الذي التزمت به طوال مراحل التحقيق، فلم يكن الهدف تقديم رأيي الشخصي، وإنما نقل النص كما أراده مؤلفه. لذلك كنت أحرص على إثبات القراءة التي تؤيدها الأدلة، مع الإشارة إلى القراءات الأخرى عند الحاجة في الهوامش. كما التزمت بالفصل بين كلام المؤلف وتعليقاتي، حتى يبقى النص واضحًا أمام القارئ. وأؤمن أن المحقق لا يملك حق تغيير النص، بل مسؤوليته تتمثل في توضيحه وخدمته وفق الضوابط العلمية.
بصفتكِ باحثة، هل تشعرين أن إحياء التراث التفسيري اليوم هو رفاهية فكرية، أم ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المعاصرة في فهم النص القرآني؟
أرى أن إحياء التراث التفسيري يمثل ضرورة علمية وثقافية، وليس مجرد اهتمام فكري. فالتراث التفسيري يضم جهودًا علمية كبيرة في فهم القرآن الكريم، ويمكن أن يسهم في معالجة كثير من الإشكالات المعاصرة إذا أُحسن عرضه ودراسته. كما أن تحقيق المخطوطات يحفظ هذا الإرث من الضياع، ويتيح للباحثين الاستفادة من مناهج العلماء السابقين. ومن هنا فإن خدمة التراث هي في الوقت نفسه خدمة للبحث العلمي وللفكر الإسلامي المعاصر.
إلى أي مدى أسهمت ملاحظات مشرفكِ العلمية في تطوير البحث وإخراجه بهذه الصورة؟
كان لمشرفي الأستاذ الدكتور محمد علي هوبي دور محوري في إنجاز هذه الرسالة، إذ رافقني بتوجيهاته العلمية الدقيقة منذ اختيار الموضوع وحتى المراحل الأخيرة من التحقيق والكتابة. وكانت ملاحظاته ومناقشاته سببًا في تجاوز كثير من الصعوبات المنهجية، فضلًا عن حرصه على ترسيخ الدقة العلمية والأمانة في التحقيق. لذا فإن ما وصلت إليه هذه الرسالة هو ثمرة جهدٍ مشترك، وله مني كل الشكر والتقدير.
النتائج التي توصلتِ إليها أكدت أن التفسير ليس روائيًا، ما هي الإضافة الحقيقية التي سيجدها الباحث في هذه الرسالة مقارنة بما هو متوفر حاليًا؟
تكمن الإضافة الأساسية في أن الرسالة قدمت تحقيقًا علميًا لجزء من مخطوط لم يكن متاحًا للباحثين من قبل، مع دراسة منهج المؤلف وبيان خصائصه العلمية. كما أوضحت أن الشيخ الأصفهاني لم يعتمد على الروايات وحدها، وإنما جمع بينها وبين التحليل اللغوي والفقهي والعقدي، وهو ما يمنح تفسيره قيمة علمية متميزة. وأعتقد أن هذه الدراسة ستفتح المجال أمام بحوث أخرى تُعنى ببقية أجزاء المخطوط، وتسهم في التعريف بجهود الشيخ الأصفهاني في خدمة التفسير.
بعد هذه التجربة، ما الرسالة التي تودين توجيهها للباحثين الشباب المهتمين بتحقيق المخطوطات؟
أود أن أقول إن تحقيق المخطوطات يحتاج إلى صبر طويل، وقراءة واسعة، واحترام كبير للنصوص. فهذه المهمة ليست مجرد نقل كلمات من ورق قديم، بل هي مسؤولية علمية وأمانة تجاه التراث. وأنصح الباحثين الشباب ألا يستعجلوا النتائج، وأن يعتنوا بالمقابلة بين النسخ، وبالرجوع إلى المصادر المساعدة، وبالتوثيق الدقيق لكل خطوة. كما أن حب هذا المجال هو الذي يمنح الباحث القدرة على الاستمرار، لأن ثمرة التحقيق لا تظهر سريعًا، لكنها تبقى أثرًا علميًا نافعًا للأجيال.
بعد هذه الرحلة البحثية الطويلة، ما أكثر ما خرجتِ به على المستوى الشخصي والعلمي؟
خرجتُ من هذه التجربة بقناعة أعمق بأن البحث العلمي الحقيقي لا يقوم على جمع المعلومات فقط، بل على الصبر والمثابرة وحسن الإنصات إلى النصوص. فقد علّمتني هذه الرسالة أن كل مخطوط يحمل وراءه جهدًا إنسانيًا كبيرًا، وأن التعامل معه يحتاج إلى تواضع واحترام ومسؤولية. أما على المستوى العلمي، فقد زادت قدرتي على المقارنة والترجيح، وعلى التعامل مع المصادر التراثية بروح نقدية واعية، وهو ما أعدّه مكسبًا مهمًا سيبقى أثره في مساري الأكاديمي.
هل تنوين مواصلة العمل على بقية أجزاء المخطوط أو التوسع في دراسة منهج الشيخ الأصفهاني في مؤلفات أخرى؟
نعم، هذا المشروع فتح أمامي آفاقًا بحثية جديدة، وأشعر أن دراسة بقية أجزاء المخطوط ستكون امتدادًا طبيعيًا لهذه الرسالة. كما أنني أطمح إلى التوسع في تتبع منهج الشيخ الأصفهاني في مؤلفاته الأخرى، لأن ذلك سيساعد على تكوين صورة أشمل عن شخصيته العلمية ومكانته في التفسير. وأرى أن مثل هذه الدراسات لا تكتمل في بحث واحد، بل تحتاج إلى جهود متتابعة تكشف جوانب التراث وتعيد تقديمه بصورة تليق بقيمته العلمية.
العلمية.
لو طُلب منكِ أن تلخصي رسالة هذا التحقيق في جملة واحدة، فماذا تقولين؟
أقول إن هذا التحقيق محاولة علمية لإحياء نص تفسيري تراثي مهم، وإبرازه في صورة دقيقة وموثقة تكشف عن قيمة الشيخ الأصفهاني العلمية، وتفتح أمام الباحثين بابًا أوسع لدراسة التراث التفسيري والاستفادة منه في الحاضر.
في الختام
قرّاءنا الأعزاء، نختتم جولتنا بين أروقة التراث ومخطوطات الفكر الإسلامي، حيث كشفنا عن جوانب من رحلة بحثية توجت بإحياء نصٍ أصيل يثري المكتبة العلمية. كانت هذه الوقفة مع الباحثة ريام قاسم عبد الأمير، التي قدمت نموذجاً للمحقق الأكاديمي الحريص على الأمانة والدقة في التعامل مع النصوص.
نثمن عالياً هذا الجهد المتميز الذي أُنجز تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد علي هوبي الربيعي، في قسم الدراسات القرآنية والفقه بـ كلية العلوم الإسلامية في جامعة كربلاء. كما نتمنى للباحثة دوام التوفيق في مسيرتها الأكاديمية ومواصلة العطاء في خدمة التراث الإسلامي.
شكراً على هذا الحوار الوافي.