الباحثة حنين فاضل كاظم لشبكة النبأ: الخطأ في المختبر درس وفي الموقع كارثة

أوس ستار الغانمي

2026-04-23 02:05

في المسافة الفاصلة بين برودة الحبر على الورق واهتزاز الأجهزة المختبرية الدقيقة، تولد لحظة الحقيقة التي يواجهها طالب الهندسة؛ لحظة يتوقف فيها ضجيج المعادلات ليعلو صوت الميدان. هناك، حيث يختبر المهندس قدرته على تطويع المادة، يدرك أن الهندسة حالة من الانضباط الحسي والوجداني تتخطى حدود الذكاء المنطقي لتعانق براعة التنفيذ، وهي اللحظة ذاتها التي قد تشهد ارتباكاً يراه البعض انهياراً، بينما تراه العين الفاحصة رهبة البدايات التي تسبق النضج المهني.

نستضيف في هذا الحوار المدرس المساعد حنين فاضل كاظم، التدريسية في الكلية التقنية الهندسية بـجامعة المستقبل، لنبحر في كواليس محراب العلم حيث تصقل شخصية المهندس قبل أن تلمس قدماه مواقع العمل. تحمل ضيفتنا رؤية استثنائية ترى في المختبر مصفاة تقنية تفرز العقل الذي يمتص العلم ليحوله إلى حلول واقعية، وتعتبر إدارة الوقت في الامتحان محاكاة حقيقية لضغوط المواقع الإنشائية التي لا تعترف بالأرقام المثالية أو الظروف الساكنة.

تضعنا حنين فاضل أمام ميثاق أخلاقي صارم، يميز بوضوح بين هفوات التعلم الإجرائية وبين ما تسميه الجريمة الهندسية التي تمس أمانة الأرواح وسلامة المنشأ. كما تكشف لنا عن فلسفة الجامعة في دمج الكودات العالمية الرصينة بأحدث تقنيات الأتمتة والفحوصات غير الإتلافية، مؤكدة أن دقة النتائج تنبع من عقل المهندس أولاً قبل أن ترسمها شاشات الأجهزة الرقمية.

حوار يغوص في فلسفة التربية التقنية، ويستشرف الخطوات القادمة لتحويل التقييم الأكاديمي إلى محاكاة حية لسوق العمل، حيث يصبح الامتحان رحلة لاستكشاف القدرات، والخطأ درساً يتجنب قبل أن يتحول في الميدان إلى كارثة. هي دعوة للقارئ ليتأمل كيف يبنى الحس الهندسي وكيف يعد مهندس المستقبل ليواجه تحديات الطبيعة التي لا تعترف إلا بالنتائج الدقيقة والقرارات الشجاعة.

بدايةً، كيف تفسرين التباين الحاد بين أداء الطالب المتميز نظرياً وانهياره التام عند مواجهة الأجهزة المختبرية في الامتحان العملي؟

أسمح لي أن أختلف قليلاً مع مصطلح الانهيار التام؛ يمكن ان نسميها رهبة البدايات حيث يمكن ان نعتبرها حالة طبيعية ولا تعتبر فشل في الاداء فما نلاحظه الطالب المتميز نظرياً يمتلك خارطة طريق ذهنية متكاملة، لكن الأجهزة المختبرية (مثل أجهزة فحص الخرسانة أو المسح الهندسية) تحتاج الى خبرة وممارسة لمزيد من الوقت وتتطلب مهارات حركية يختلف عن الكتابة. التباين الذي تراه ليس دليلاً على ضعف المستوى، بل هو نتاج لعدة عوامل:

أ_ رهبة الأجهزة الدقيقة: التعامل مع أجهزة باهظة وحساسة في الامتحان يولد ضغطاً نفسياً يجعل الطالب يتردد في البداية، وهذا يُفسر خطأً على أنه انهيار.

 ب_ نمط التفكير الأكاديمي: الطالب المتميز يميل أحياناً لتحليل كل خطوة منطقياً، بينما العملي يحتاج إلى الخبرة التي تُكتسب بالتكرار، وهو ما نعمل على تعزيزه في مختبراتنا بجامعة المستقبل.

ما هي الضمانات التي تقدمها اللجنة الامتحانية لضمان عدم خضوع تقييم المهارة اليدوية لمزاجية الفاحص أو انطباعه الشخصي عن الطالب؟

في الأوساط الأكاديمية والهندسية الرصينة، لا مكان لمصطلح المزاجية؛ فنحن نتعامل مع مخرجات تعليمية قابلة للقياس الكمي والنوعي. لضمان ذلك، تعتمد اللجنة الامتحانية في قسم البناء والإنشاءات على استراتيجية تجزئة المهام وذلك بعد ان يطلب التدريسي المسؤول عن العملي المساعدة من اللجنة الامتحانية لكن لا تستطيع ان تفرض استراتيجية معينة على التدريسي في تقسيم او توزيع الدرجات وتقييم المهارات للطلبة.

إدارة الوقت في الامتحانات العملية تبدو تعجيزية للكثيرين؛ أين تكمن العلة، في قصور المهارة لدى الطالب أم في مثالية الأسئلة البعيدة عن الواقع؟

في عالم الهندسة المدنية والإنشاءات، الوقت هو أحد المحددات التصميمية والعملية الأساسية، وليس مجرد ظرف هامشي. لذا، نحن لا ننظر لإدارة الوقت في الامتحان كعائق تعجيزي، بل كجزء أساسي من الاختبار المهني. العلة لا تكمن في قصور الطالب ولا في مثالية الأسئلة، بل في طبيعة التحول من التفكير النظري المفتوح إلى التنفيذ العملي المحدد. اما بالنسبة لإدارة الوقت كوني تدريسية في قسم البناء والانشاءات في جامعة المستقبل من ضروري تدريب الطلبة على إدارة الوقت وذلك بسبب.

 _ محاكاة واقع العمل: في المواقع الإنشائية، صب الخرسانة أو فحص التربة له سقف زمني لا يمكن تجاوزه تقنياً. لذا، فإن وضع وقت محدد في الامتحان هو واقعية وليس مثالية، فنحن نعدّ مهندساً للميدان لا للغرف المغلقة.

 ما يراه الطالب ضيق وقت هو في الحقيقة مؤشر على حاجته لمزيد من الممارسة للوصول إلى مرحلة التلقائية في التعامل مع الأجهزة. المهارة ليست فقط في معرفة كيف نفحص، بل في كم نستغرق لتعطي نتائج دقيقة.

 اما بالنسبة لاإستراتيجية التوزيع: أسئلتنا مصممة وفق منحنى زمن مدروس حيث تخصص دقائق لنصب الجهاز، ودقائق للقراءة، ودقائق لتحليل النتائج. الطالب الذي يتدرب جيداً يجد الوقت كافياً جداً.

نحن نؤمن بأن المهندس الذي لا يستطيع إدارة وقته في المختبر، قد يواجه صعوبات في إدارة مشاريع كبرى وبجدول زمني صارم؛ لذا نحن نبني الشخصية القيادية جنباً إلى جنب مع المهارة التقنية.

الأخطاء الشائعة، متى تتحول من مجرد هفوة طالب إلى جريمة هندسية تستوجب الرسوب الفوري دون نقاش؟

هذا السؤال يلمس الأمانة المهنية التي تسبق الدرجة العلمية. في تخصص مثل هندسة البناء والإنشاءات، الخطأ ليس مجرد رقم ضائع، بل قد يكون حياة بشر.

في مختبراتنا، نحن نحاول قدر الامكان ان لا نُخرج حفاظ نصوص، بل نُعدّ مؤتمنين على أرواح. لذا، نعم، هناك خط رفيع جداً يفصل بين 'الهفوة' التي نعدّها جزءاً من مسيرة التعلم، وبين 'الجريمة الهندسية' التي لا تقبل القسمة على اثنين.

التمييز بينهما يعتمد على الأثر الإنشائي:

_ هفوة الطالب: هي أخطاء إجرائية أو حسابية بسيطة لا تمس جوهر السلامة؛ مثل خطأ في تقريب نواتج رياضية، أو ارتباك في تسلسل تشغيل جهاز لا يؤثر على النتائج النهائية، أو حتى نسيان تدوين ملاحظة جانبية. هذه تُعالج بالتوجيه والخصم الطفيف من الدرجة.

 _ الجريمة الهندسية: هي التصرفات التي تعكس غياب الحس الهندسي أو الاستهانة بالمعايير الكودية (Codes)، وتستوجب الرسوب الفوري لعدة اسباب منها إهمال سلامة المنشأ (Safety Violation): كأن يخطئ الطالب في حساب إجهاد القص أو الأحمال الحرجة بما يؤدي نظرياً إلى انهيار المبنى، سوء التعامل مع الأجهزة تعمد مخالفة تعليمات التشغيل بما قد يؤدي لإتلاف أجهزة الفحص الدقيقة أو تعريض زملائه للخطر؛ فالهندسة التزام قبل أن تكون ابتكاراً.

نحن في جامعة المستقبل نرسخ مبدأ: الخطأ في المختبر درس، والخطأ في الموقع كارثة. لذا، الرسوب في الامتحان العملي هو في الحقيقة حماية لمستقبل الطالب المهني.

 إلى أي مدى تتماشى آليات الاختبار في قسم البناء والإنشاءات مع الكودات العالمية الحديثة، أم أننا لا نزال نختبر الطلبة في تقنيات أكل عليها الدهر وشرب؟

في الهندسة الإنشائية، هناك فرق بين التقنيات الكلاسيكية الأصيلة وبين التقنيات القديمة. نحن في جامعة المستقبل نعتمد فلسفة (Hybrid Approach) التي تدمج بين الجذور الكودية والابتكار الرقمي، وإليك الدليل:

 الالتزام بالكودات العالمية آليات الاختبار لدينا ليست اجتهادات شخصية، بل هي تطبيق حرفي لمتطلبات الكود الأمريكي (ACI) والكود البريطاني (BS) والمواصفة القياسية العراقية. هذه الكودات هي دستور البناء العالمي، وهي تعتبر اساس في الامتحان لطالب الهندسة.

 التحول نحو الأتمتة Automatio، نحن نعلم الطالب كيف يحسب يدوياً ليفهم 'فيزياء المنشأ'، لكن امتحاناتنا العملية تشمل التعامل مع أجهزة فحص رقمية متطورة (Digital Testing Machines) مرتبطة ببرمجيات تحليل البيانات، وهو ما يطلبه سوق العمل الحديث تماماً.

 الفحوصات غير الإتلافية لم نعد نكتفي باختبارات الكسر التقليدية؛ بل نختبر الطلبة في تقنيات حديثة مثل (Ultrasonic Pulse Velocity) و(Rebound Hammer)، وهي تقنيات تستخدم لفحص المباني دون هدمها، وهذا قمة التطور في صيانة المنشآت.

نحن لا نختبر الطالب في تقنيات أكل عليها الدهر، بل نمنحه الأساس الرصين الذي يحميه من الخطأ، والأداة الحديثة التي تجعله منافساً في سوق العمل.

برامج تدريب الطلبة على الامتحانات غالباً ما تتهم بأنها "حقن مسكنة"؛ ما الذي يميز رؤيتكم لتكون حلاً جذرياً لا مجرد إجراء روتيني؟

اتهام البرامج التدريبية بأنها حقن مسكنة قد يصح في التعليم القائم على التلقين، لكن في هندسة البناء والإنشاءات بجامعة المستقبل، نحن نؤمن بـ التدريب التراكمي وليس التدريب الموسمي. رؤيتنا تتجاوز فكرة اجتياز الامتحان إلى بناء المهندس الجاهز للتنفيذ من خلال ثلاثة محاور جذرية:

 التدريب المبني على المشكلات (PBL): نحن لا ندرب الطالب على تشغيل جهاز فحسب، بل نضعه أمام حالة دراسية Case Study لمبنى يعاني من تشققات أو تربة غير مستقرة، ونطلب منه استخراج النتائج وتقديم الحل. هنا يتحول التدريب من روتين امتحاني إلى محاكاة لمسؤولية مهنية.

 التوأمة مع القطاع الخاص برامجنا التدريبية لا تُغلق داخل أسوار الجامعة؛ فنحن نستضيف مهندسين استشاريين من مواقع إنشائية حقيقية ليشاركوا الطلبة أسرار المهنة وتحديات الموقع. هذا الربط يجعل التدريب يقلل من صدمة الواقع بعد التخرج، وليس مجرد مسكن لرهبة الامتحان.

ما هي الحقيقة الصادمة التي يكتشفها الطالب في الامتحان العملي ولا يجدها في آلاف الصفحات من الكتب المنهجية؟

الحقيقة الصادمة التي لا تُدرّس في الكتب، ويكتشفها الطالب فقط عندما يمسك بـ مسطرة التسوية أو يقف خلف جهاز الثيودولايت في الامتحان، هي أن: الطبيعة لا تعترف بالمثاليات الرياضية.

في الكتب، تكون التربة متجانسة، والخرسانة مثالية، والرياح ساكنة، والمعادلات تنتهي دائماً بأرقام صحيحة ومنطقية. لكن في الامتحان العملي (كما في الموقع الإنشائي)، يصطدم الطالب بمعظم المشاكل التي لا توجد بين السطورمنها:

 يكتشف الطالب أن عينه قد تخطئ في قراءة منسوب، أو أن يده قد ترتجف أثناء ضبط معايرة دقيقة؛ فيدرك أن الهندسة ليست ذكاءً عقلياً فحسب، بل هي انضباط جسدي وحسي.

 الكتب تقول إن المادة تتصرف وفق قانون، لكن في المختبر يكتشف الطالب أن درجة الحرارة، أو رطوبة الجو، أو حتى خطأ بشري بسيط في خلط العينة، قد يقلب النتائج رأساً على عقب. 

 مسؤولية القرار المنفرد

 في الكتاب، إذا أخطأ الطالب يمسح الإجابة بالممحاة، أما في الامتحان العملي، فإنه يدرك أن القرار التقني الذي يتخذه الآن هو قرار نهائي؛ فإذا كُسرت عينة الفحص بطريقة خاطئة، فلا وجود لزر تراجع (Undo).

ارتباك الطلبة أمام اللجان يشي بضعف في بناء الشخصية الهندسية؛ من المسؤول عن تجريد المهندس من ثقته الميدانية قبل أن يبدأ؟

اللجان ليس لها اي صله ببناء شخصية المهندس اللجان الموجودة في قسم البناء الانشاءات هي لإدارة بعض الاعمال الإدارية التي ليس لها علاقة ببناء شخصية المهندس.

طريقة تنفيذ المطلوب بدقة وفق المعايير العلمية تصطدم أحياناً ببدائية المختبرات؛ كيف تعالجون هذا التناقض أمام الطالب؟

أود التوضيح أننا في جامعة المستقبل نولي استثمار المختبرات الأولوية القصوى، ولدينا أجهزة حديثة ومتقدمة. 

 لكن اريد توضيح نقطة معينه الأساس العلمي ثابت، القوانين الهندسية والمعايير الكودية لا تتغير سواء كان الجهاز رقمياً (Digital) أو يدوياً (Manual). نحن نعلم الطالب أن دقة التنفيذ تنبع من عقله ويده أولاً. إذا استطاع الطالب الحصول على نتائج دقيقة باستخدام أجهزة بسيطة، فهذا دليل على تمكنه من المادة العلمية؛ فالمختبر المتطور يسهّل العمل، لكنه لا يخلق المهندس.

هندسة تقنيات البناء تتطلب سرعة بديهة وحساً ميكانيكياً؛ كيف يمكن للامتحان العملي أن يفرز المهندس الموهوب عن المهندس الحافظ؟

هذا هو الفارق الجوهري بين العلم والفن الهندسي. في قسم البناء والإنشاءات بجامعة المستقبل، صممنا الامتحانات العملية لتكون بمثابة مصفاة تقنية تفرز بوضوح بين من يحفظ الخطوات ومن يعيش الحالة الهندسية، وذلك عبر ثلاث استراتيجيات أساسية:

1_ اختبار المتغير المفاجئ (The Trap): أحياناً، نقوم بتغيير بسيط في إعدادات الجهاز أو العينة دون إخبار الطالب. المهندس الحافظ سيستمر في العمل بنفس الآلية ويخرج نتائج خاطئة لأنه يطبق خطوات صماء، بينما المهندس الموهوب هو من يتوقف فوراً بمجرد أن يلمس حسه الميكانيكي وجود خطأ ما في الجهاز أو العينة. هذه هي سرعة البديهة.

2_ تفسير الشذوذ في النتائج: نحن لا نكتفي بطلب الرقم النهائي؛ بل نسأل الطالب: لماذا ظهرت هذه النتيجة بهذا الشكل؟ المهندس الموهوب يربط فوراً بين الضغط المسلط وشكل الكسر في عينة الخرسانة مثلاً، فيحلل سلوك المادة كأنه يراها من الداخل، بينما الحافظ يكتفي بكتابة ما قرأه على الشاشة.

3_ إدارة الأزمات (Crisis Management): في الامتحان، قد نضع الطالب تحت ضغط ضيق الوقت أو نطلب منه إعادة المعايرة فجأة. هنا تظهر الموهبة في الثبات الانفعالي والقدرة على الارتجال المنظم الذي ينم عن فهم عميق وليس حفظاً لجدول خطوات.

مخرجات التعليم التقني تنتقد بأنها نظرية بامتياز؛ كيف تساهم لجنتكم في تغيير هذه النظرة من خلال تشديد الرقابة على الاختبارات التطبيقية؟

من خلال العمل بين اللجنة الامتحانية واللجنة العلمية للقسم المسؤول عن مراجعة المواد والمناهج تم وضع خطة معينة من خلال تكثيف المناهج العملية ووضع مواضيع خاصة تربط بين النظري والعملي بحيث يضطر التدريسي الى موقع العمل لتكملة بعض الامور التي تخص النظري كذلك متابعة اللجنة الامتحانية وتعليماتها بوضع نسبة معينة من الاسئلة للعملي من ضمن النظري.

ما هو العائق الأكبر الذي يمنع الطالب من الاستعداد المسبق للامتحان بشكل احترافي، رغم توفر كل الإمكانيات المادية في القسم؟

أكبر عائق غالباً ليس نقص الإمكانيات، بل ضعف إدارة الوقت وغياب الانضباط الذاتي لدى الطالب.

فرغم توفر المصادر، يعاني بعض الطلبة من التسويف، وعدم وجود خطة واضحة للدراسة، إضافة إلى ضعف الدافعية أو عدم إدراك أهمية التحضير المبكر لذلك، معالجة هذه المشكلة تبدأ بتعزيز مهارات التنظيم الذاتي، ودور القسم هنا توجيه الطلبة للالتزام بالحضور وفق الجدول الدراسي الخاص بالقسم.

تجنب الأخطاء الشائعة يتطلب وعياً مسبقاً؛ لماذا ننتظر حتى اللحظات الأخيرة لتدريب الطلبة على بديهيات كان يجب إتقانها منذ اليوم الأول؟

هذا يحدث غالباً بسبب تركيز العملية التعليمية على إنجاز المنهج أكثر من بناء المهارة بشكل تراكمي.

ومن منظورنا، لا ينبغي أن يكون التدريب على البديهيات مؤجلاً أو مرتبطاً بفترة الامتحانات، بل يجب دمجه منذ الأسبوع الأول ضمن المحاضرات العملية والتطبيقات المستمرة.

نحن لا ننتظر اللحظات الخيرة نتابع سير العملية التعليمية للمادة العملي من بداية العام الدراسي كون نحن كلية تقنية وتركز على العملي اكثر من النظري.

متى نصل إلى مرحلة يدخل فيها الطالب الامتحان العملي وكأنه يدخل إلى موقعه الإنشائي الخاص، وليس كمتهم ينتظر الحكم؟

نصل إلى هذه المرحلة عندما يتحول التعليم من اختبار نهائي إلى تدريب مستمر على الواقع.

أي عندما يُدرَّب الطالب منذ البداية على بيئة العمل الحقيقية من خلال مختبرات ومشاريع تطبيقية وزيارات ميدانية، ويُقيَّم بشكل مستمر على مهاراته وليس فقط على حفظه للمعلومات.

ونحن نسعى في قسم البناء والانشاءات الى اخذ الطلبة الى مواقع عمل حقيقة حيث تم عمل 5 زيارات ميدانية لمواقع عمل خلال هذه السنة ونحاول قدر الامكان ربط العملي من خلال الزيارات الميدانية مع النظري الذي يعطى خلال المحاضرات.

بصفتكِ جزءاً من منظومة القرار، ما هي الخطوة القادمة لنسف الأساليب التقليدية في تقييم المهارات العملية واستبدالها بمحاكاة حقيقية لسوق العمل؟

الخطوة القادمة ليست تغييراً شكلياً في الامتحان، بل إعادة تصميم منظومة التقييم بالكامل لتصبح قائمة على المحاكاة والأداء الواقعي.

اعتماد محطات تقييم عملية (Stations) تحاكي بيئة المشروع الفعلية، حيث يُقيَّم الطالب على إنجاز مهمة محددة ضمن وقت وظروف مشابهة لسوق العمل وهذا التقييم يكون جزء من السعي التكويني لدخول الامتحان.

بذات الرصانة التي تدار بها مختبرات الهندسة، وبذات الشغف الذي يحرك طموح البناء، نصل إلى ختام هذا الحوار الذي وضع النقاط على الحروف في خارطة الطريق بين التلقين والتمكين. لقد منحتنا المدرس المساعد حنين فاضل كاظم أكثر من مجرد إجابات؛ لقد رسمت لنا ميثاقاً يجمع بين أخلاقيات المهنة وذكاء الآلة، مؤكدة أن جامعة المستقبل تراهن على الإنسان المهندس الذي يمتلك الثبات في اللحظات الحرجة.

نتوجه بوافر الشكر والامتنان لضيفتنا القديرة على سعة صدرها وعمق طرحها، ونثمن عالياً دور الكلية التقنية الهندسية في جامعة المستقبل كحاضنة للإبداع والاحترافية. نغلق دفاتر هذا الحوار، لتبقى كلمات الأمانة الهندسية وصوت الضمير المهني هما المرجعية التي ننتظر رؤيتها في كل منشأ يرتفع في أفق الوطن.

إلى لقاءات قادمة، تضيء مساحات جديدة من فكرنا الأكاديمي والمهني.

ذات صلة

حاجة الإنسان القصوى لليقيننعيش في بحرٍ من المشاكل.. فما الحل المؤثر؟رئاسة الوزراء في العراق.. بين القيود الدستورية وتوازنات الواقع السياسيمقاربةٌ سرديَّةٌ في قصة مريم القرآنيَّةرؤيا مستقبلية لتعظيم الربحية من إنتاج النفط العراقي