الباحثة حوراء يحيى لـ شبكة النبأ: التكنولوجيا بدأت تكسر الحواجز الصامتة بين الصم والمجتمع

أوس ستار الغانمي

2026-04-13 07:24

تخيل أن تجلس في قاعة محاضرات مزدحمة، والجميع يتبادل الحديث ويضحك، بينما تمر الكلمات من حولك دون أن تسمع منها شيئًا. بالنسبة لملايين الأشخاص فاقدي السمع حول العالم، هذا ليس مجرد تخيل، بل واقع يومي. هنا تحديدًا تبدأ أهمية التقنيات الحديثة التي تحاول تحويل الصمت إلى لغة يمكن قراءتها وفهمها.

أحيانًا لا يكون الصمت غيابًا للكلام، بل نتيجة لحواجز لم ننجح بعد في إزالتها. ولعل أكثر هذه الحواجز قسوة تلك التي تفصل الإنسان عن حقه البسيط في أن يسمع أو أن يفهم. غير أن التكنولوجيا في السنوات الأخيرة بدأت تطرق هذا الباب بقوة، محاولة أن تحول الصمت إلى لغة أخرى يمكن قراءتها أو رؤيتها أو حتى الشعور بها.

من هنا تتجه أنظار الباحثين اليوم إلى التقنيات المساعدة بوصفها أحد المسارات التي يمكن أن تعيد صياغة علاقة الأشخاص فاقدي السمع بالعالم من حولهم. تطبيقات ذكية تحول الصوت إلى نص، وأدوات رقمية تقرّب لغة الإشارة من فضاء التكنولوجيا، وابتكارات تحاول أن تجعل التواصل أكثر عدالة وشمولًا.

في هذا الإطار أجرت شبكة النبأ حوارًا مع المدرس المساعد حوراء يحيى محمد، التدريسية في قسم الأطراف والمساند في الكلية التقنية المسيب التابعة لـجامعة الفرات الأوسط التقنية، للحديث عن التقاطعات المتزايدة بين التكنولوجيا والبعد الإنساني في دعم تواصل الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وعن الآفاق التي قد تفتحها الابتكارات الحديثة في تقليص المسافات الصامتة بين الإنسان ومحيطه.

وفي هذا الحوار نتوقف عند الأسئلة التي يطرحها هذا المجال اليوم: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تصبح جسرًا للتواصل؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعات والبحث العلمي في تحويل هذه الأفكار إلى حلول حقيقية في حياة الناس؟

بدايةً، في مسارات العلم غالبًا ما تتقاطع التخصصات بطرق غير متوقعة، فتولد أفكارًا تتجاوز حدود الاختصاص الواحد. من هذا التقاطع بين المعرفة الإنسانية والتكنولوجيا، كيف تشكل اهتمامكِ بموضوع التقنيات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية؟

في مسارات البحث العلمي غالبًا ما تنشأ الأفكار الأكثر تأثيرًا عند التقاء تخصصات تبدو متباعدة ظاهريًا. اهتمامي بالتقنيات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية تشكّل عند هذا التقاطع تحديدًا؛ حيث يلتقي علم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع البعد الإنساني والاجتماعي للتواصل. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد مجرد أدوات، بل أصبحت وسيطًا معرفيًا يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمعلومة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي. من هنا برز هذا المجال بالنسبة لي كحقل بحثي قادر على تحويل الابتكار التقني إلى وسيلة لتعزيز الشمول الإنساني وتقليل الفجوات التواصلية.

لكل باحث لحظة إدراك يشعر فيها أن موضوعًا ما ليس مجرد مادة علمية بل قضية إنسانية أيضًا. متى شعرتِ أن العمل على تعزيز تواصل الصم والبكم هو مسار يستحق أن يُكرَّس له الجهد العلمي؟

هناك لحظة فارقة يدرك فيها الباحث أن موضوع بحثه يتجاوز حدود المختبر أو المقال العلمي. بالنسبة لي جاءت هذه اللحظة عندما أدركت أن صعوبة التواصل التي يواجهها الأشخاص الصم ليست مجرد تحدٍ تقني، بل عائق يمس جوهر المشاركة الإنسانية في المجتمع. عندما يصبح التعبير عن فكرة أو فهم حوار يومي مهمة معقدة، فإن البحث في هذا المجال يتحول من مشروع علمي إلى مسؤولية معرفية تسعى لتمكين الإنسان من حقه الأساسي في التواصل.

في السنوات الأخيرة لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات، بل أصبحت لغة جديدة للتواصل بين البشر. برأيكِ، كيف غيّرت الهواتف الذكية وتطبيقات تحويل الصوت إلى نص طبيعة التواصل اليومي للأشخاص فاقدي السمع؟

أحدثت الهواتف الذكية نقلة نوعية في طبيعة التواصل للأشخاص فاقدي السمع، خصوصًا مع تطور تطبيقات تحويل الصوت إلى نص المعتمدة على تقنيات التعرف الآلي على الكلام. هذه التطبيقات مكّنت المستخدمين من متابعة المحادثات في الزمن الحقيقي تقريبًا، سواء في البيئات التعليمية أو المهنية أو الاجتماعية. الأثر الحقيقي لهذه التقنيات لا يقتصر على تسهيل التواصل فحسب، بل يمتد إلى تعزيز استقلالية الفرد وقدرته على التفاعل المباشر دون الحاجة الدائمة إلى وسيط بشري.

 تطبيقات مثل Live Transcribe وغيرها تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الواقع تحمل أثرًا عميقًا في حياة المستخدمين. كيف تقيمين هذا التحول من زاوية علمية وإنسانية في آن واحد؟

من الناحية العلمية تمثل تطبيقات مثل Live Transcribe نموذجًا عمليًا لتكامل تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية والتعلم العميق. أما من الناحية الإنسانية، فإن قيمتها تكمن في قدرتها على تقليل الحواجز التي كانت تفصل الأشخاص فاقدي السمع عن التفاعل اللحظي مع محيطهم. فتمكين المستخدم من متابعة محادثة مباشرة أو محاضرة أكاديمية في وقتها الحقيقي يعزز الإحساس بالمشاركة الاجتماعية ويحد من مشاعر العزلة التي قد تنتج عن صعوبات التواصل.

 لغة الإشارة هي ثقافة كاملة وليست مجرد وسيلة للتفاهم. في ظل ظهور تطبيقات تحاول ترجمة لغة الإشارة إلى نص أو صوت، هل نحن أمام جسر حقيقي للتواصل أم أمام تحديات جديدة تتعلق بدقة الترجمة وفهم السياق؟

لغة الإشارة ليست مجرد نظام بديل للكلمات، بل هي لغة متكاملة تحمل بنية نحوية وثقافية خاصة بها. لهذا فإن محاولة ترجمتها تقنيًا إلى نص أو صوت تمثل تحديًا معقدًا يتجاوز مجرد التعرف على حركة اليد. فالإشارة تتضمن عناصر متعددة مثل تعبيرات الوجه، واتجاه الحركة، وسياق الجملة. لذلك يمكن القول إن تطبيقات ترجمة لغة الإشارة تمثل خطوة واعدة نحو بناء جسور تواصل جديدة، لكنها ما تزال بحاجة إلى تطور كبير في مجال الرؤية الحاسوبية وفهم السياق اللغوي لتحقيق ترجمة دقيقة وموثوقة.

التعلم بالنسبة لفاقدي السمع يعتمد كثيرًا على البعد البصري والتفاعلي. كيف ترين دور المنصات الرقمية وقنوات التعليم بلغة الإشارة في إعادة صياغة مفهوم التعليم لهذه الفئة؟

يعتمد التعلم لدى الأشخاص فاقدي السمع بشكل كبير على الإدراك البصري والتفاعل الحركي. لهذا فإن المنصات الرقمية التي تقدم محتوى تعليميًا مدعومًا بلغة الإشارة أو بالوسائط المرئية التفاعلية تمثل تحولًا مهمًا في فلسفة التعليم الشامل. هذه المنصات لا تعيد فقط تصميم المادة التعليمية، بل تعيد تعريف تجربة التعلم نفسها بحيث تصبح أكثر توافقًا مع أنماط الإدراك المختلفة لدى المتعلمين.

من اللافت أن التكنولوجيا بدأت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للصم، من الساعات الذكية التي تحوّل الأصوات إلى اهتزازات إلى نظارات الواقع المعزز التي تعرض ترجمة فورية للمحادثات. إلى أي مدى يمكن لهذه الابتكارات أن تعيد تعريف مفهوم الاستقلالية لديهم؟

الابتكارات الحديثة مثل الساعات الذكية التي تحوّل الأصوات إلى اهتزازات أو نظارات الواقع المعزز التي تعرض ترجمة فورية للمحادثات تمثل تحولًا عميقًا في مفهوم الاستقلالية لدى الأشخاص الصم. فهذه التقنيات لا تقدم مجرد معلومات إضافية، بل تمنح المستخدم قدرة أكبر على فهم البيئة المحيطة به والتفاعل معها دون الاعتماد المستمر على الآخرين، وهو ما يعزز الشعور بالثقة والاندماج في الحياة اليومية.

في عالم الألعاب الرقمية والترفيه التفاعلي ظهرت ألعاب تعليمية تعتمد على العناصر البصرية خصيصًا للصم. برأيكِ، هل يمكن أن تتحول هذه الأدوات الترفيهية إلى وسائل تعليمية فعّالة تتجاوز الطرق التقليدية؟

في السنوات الأخيرة بدأت الألعاب الرقمية تتجاوز دورها الترفيهي لتصبح أدوات تعليمية فعّالة. بالنسبة للأشخاص الصم، توفر الألعاب القائمة على العناصر البصرية بيئة تعليمية محفزة تعتمد على التفاعل والملاحظة والاستكشاف. وعندما تُصمم هذه الألعاب وفق مبادئ تربوية مدروسة، يمكن أن تتحول إلى منصات تعلم مبتكرة تسهم في تعزيز المهارات اللغوية والمعرفية بطريقة تتجاوز الأساليب التقليدية.

التواصل عن بعد أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة المهنية والتعليمية. كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تضمن حضورًا متكافئًا للأشخاص الصم في الاجتماعات الافتراضية والبيئات التعليمية الرقمية؟

مع توسع العمل والتعليم عن بُعد، أصبح من الضروري تطوير بيئات رقمية أكثر شمولًا. التقنيات الحديثة مثل الترجمة الفورية للنصوص، والتسميات التوضيحية المباشرة في الاجتماعات الافتراضية، وإدماج مترجمي لغة الإشارة عبر المنصات الرقمية يمكن أن تضمن حضورًا أكثر تكافؤًا للأشخاص الصم. هذه الحلول تسهم في تحقيق مبدأ العدالة الرقمية وتمكين جميع الأفراد من المشاركة الفاعلة في البيئات المهنية والتعليمية.

غالبًا ما ينظر إلى التكنولوجيا بوصفها حلًا تقنيًا، لكن نجاحها الحقيقي يرتبط بمدى تقبل المجتمع لها. من خلال تجربتكِ، ما أبرز التحديات الاجتماعية أو الثقافية التي قد تعيق انتشار هذه التقنيات؟

على الرغم من التقدم التقني الكبير، فإن انتشار هذه التقنيات لا يعتمد على الجانب التقني وحده. فهناك تحديات اجتماعية وثقافية قد تعيق تبنيها، مثل محدودية الوعي المجتمعي بأهمية التقنيات المساعدة أو ضعف البنية التحتية الداعمة لها في بعض البيئات. لذلك فإن نجاح هذه الابتكارات يتطلب تكاملًا بين التطوير التقني والتوعية المجتمعية والسياسات الداعمة.

من موقعكِ الأكاديمي والتعليمي، كيف يمكن للجامعات والمؤسسات التعليمية أن تسهم في تطوير تقنيات أكثر فاعلية لخدمة ذوي الإعاقة السمعية؟

تلعب الجامعات دورًا محوريًا في تطوير التقنيات الموجهة لخدمة ذوي الإعاقة السمعية، من خلال تشجيع البحوث متعددة التخصصات التي تجمع بين علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية. كما يمكنها دعم مشاريع الابتكار الطلابية وتوفير حاضنات بحثية تركز على تطوير تطبيقات عملية قابلة للاستخدام في المجتمع، مما يسهم في تحويل المعرفة الأكاديمية إلى حلول واقعية.

إذا نظرنا إلى المستقبل القريب، ما الابتكارات التي تعتقدين أنها ستحدث التحول الأكبر في حياة الأشخاص الصم خلال السنوات القادمة؟

في المستقبل القريب من المتوقع أن تُحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز تحولًا جذريًا في حياة الأشخاص الصم. فقد نشهد أنظمة قادرة على ترجمة لغة الإشارة إلى نص أو صوت في الزمن الحقيقي بدقة عالية، أو نظارات ذكية تعرض ترجمة فورية للمحادثات. مثل هذه الابتكارات يمكن أن تقلل بشكل كبير من الفجوة التواصلية بين الصم وبقية أفراد المجتمع.

وأخيرًا، حين نتأمل هذه الثورة التقنية من زاوية إنسانية، هل ترين أننا نسير نحو عالم تُزال فيه الحواجز التواصلية فعلاً، أم أن الطريق ما يزال بحاجة إلى جهد علمي ومجتمعي أكبر؟

عند النظر إلى هذه الثورة التقنية من زاوية إنسانية، يمكن القول إننا نسير بالفعل نحو عالم تقل فيه الحواجز التواصلية بشكل متزايد. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف بشكل كامل يتطلب استمرار الجهود العلمية والتقنية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الشمول والتنوع في طرق التواصل. فالتكنولوجيا قادرة على فتح الأبواب، لكن المجتمع هو من يقرر مدى اتساع هذه الأبواب للجميع.

ختامًا، نتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى المدرس المساعد حوراء يحيى محمد، التدريسية في قسم الأطراف والمساند بالكلية التقنية المسيب التابعة لـجامعة الفرات الأوسط التقنية، على ما أسهمت به من رؤى علمية وأفكار مبتكرة حول دور التكنولوجيا في تعزيز تواصل الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وعلى كرم تعاملها وسعة صدرها خلال هذا الحوار. نسأل الله لها دوام التوفيق والنجاح في مسيرتها الأكاديمية والبحثية.

وليس من المستبعد أن نصل قريبًا إلى مرحلة تصبح فيها النظارات الذكية قادرة على ترجمة لغة الإشارة فورًا إلى كلمات منطوقة، أو عرض النصوص المترجمة مباشرة أمام المستخدم، بما يفتح آفاقًا جديدة لعالم أكثر شمولًا وسهولة في التواصل.



ذات صلة

الحق والكلمة: دعم فاعل وفوز متبادَلالإمام الصادق عليه السلام والتقيّةالأزمة البحرية بين العراق والكويت قراءة في جذور الخلاف وتداعياتهما بعد حرب الأربعين يوماًلماذا يقوِّض القادةُ المنتخبون الديمقراطية؟