كيف تُصادر ثقافة القرار استقلالية الشباب في مجتمعاتنا؟

شبكة النبأ

2026-05-26 04:39

في كثير من البيوت العربية، يُنظر إلى الطاعة بوصفها الشكل الأعلى للنجاح التربوي، فيما يُقابل السؤال أحياناً بالريبة، ويُفسَّر الاختلاف على أنه تمرّد، ويُعامل اتخاذ القرار الشخصي باعتباره مغامرة غير مأمونة النتائج. هكذا ينشأ عدد كبير من الشباب وهم يتقنون طلب الإذن أكثر من إتقان الاختيار، ويجيدون تنفيذ التعليمات أكثر من قدرتهم على بناء قناعاتهم الخاصة.

المشكلة لا تتوقف عند حدود الأسرة، وإنما تمتد إلى المدرسة والجامعة ومحيط العمل وحتى بعض المؤسسات الاجتماعية التي ما تزال تتعامل مع الشباب بعقلية الوصاية لا بعقلية الشراكة. فبدلاً من إعداد الإنسان للحياة، يجري أحياناً إعداد نسخة مكررة من الآخرين، نسخة تخشى الخطأ، وتتردد أمام القرار، وتبحث دائماً عمّن يفكر نيابة عنها.

ثقافة اتخاذ القرار ليست مهارة ثانوية يمكن تأجيلها إلى مراحل متقدمة من العمر، فهي جزء أساسي من بناء الشخصية الإنسانية. الإنسان يكتشف ذاته حين يختار، ويتعلم عبر التجربة، وينضج من خلال تحمّل نتائج قراراته، سواء كانت ناجحة أم متعثرة. أما حين يُحاصر الفرد بسلسلة طويلة من التعليمات والوصايا والتدخلات، فإنه يفقد تدريجياً ثقته بقدرته على التفكير المستقل، ويتحول إلى شخصية مرتبكة تبحث باستمرار عن مرجعية خارجية تمنحها الطمأنينة.

في الواقع العراقي، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيداً بفعل تراكمات اجتماعية وثقافية طويلة. كثير من الآباء يمارسون تدخلاً دائماً في حياة الأبناء بدافع الخوف والمحبة والحرص على المستقبل، غير أن النتيجة قد تكون معاكسة تماماً لما يريدونه. فالابن الذي يُمنع من اتخاذ قراراته الصغيرة، سيجد صعوبة لاحقاً في مواجهة القرارات الكبرى المتعلقة بالدراسة والعمل والعلاقات وبناء الحياة. والبنت التي تُربّى على التردد والخوف من المبادرة، قد تدخل الحياة العامة وهي تفتقر إلى الثقة بقدرتها على التعبير والاختيار.

المفارقة أن بعض الأسر تعتقد أنها تحمي أبناءها من الخطأ، بينما هي في الحقيقة تحرمهم من أهم أدوات النضج النفسي والاجتماعي. فالقرار ليس مجرد اختيار بين بديلين، وإنما تدريب عميق على التفكير والتحليل وتحمل النتائج وفهم الذات. لذلك فإن الإنسان الذي لا يختبر قراراته بنفسه، يبقى هشاً أمام الأزمات، سريع التأثر، قليل القدرة على الحسم، حتى لو امتلك شهادة علمية أو خبرة مهنية.

الأثر التربوي لهذه الوصاية يظهر بوضوح داخل الجامعات ومؤسسات العمل. هناك شباب يمتلكون طاقات معرفية عالية، لكنهم يترددون في اتخاذ أبسط المبادرات خوفاً من الخطأ أو النقد أو الفشل. بعضهم ينتظر دائماً من يحدد له ماذا يفعل وكيف يفكر، وكأن الاستقلالية تحولت إلى منطقة مقلقة بدلاً من كونها مساحة للنمو والتطور.

المدرسة أيضاً تتحمل جزءاً من هذه الأزمة حين تتحول العملية التعليمية إلى تلقين مستمر، وتغيب عنها مهارات الحوار والنقاش والتفكير النقدي. الطالب الذي يقضي سنوات طويلة داخل بيئة لا تسمح له بالتعبير الحر أو اتخاذ المبادرة، يصعب أن يتحول فجأة إلى شخصية مستقلة وقادرة على إدارة حياتها بثقة.

المجتمعات الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الجامعات أو حجم التكنولوجيا، وإنما بقدرتها على إنتاج إنسان مستقل يمتلك وعياً ذاتياً وقدرة على اتخاذ القرار. فالشباب الذين يُمنحون مساحة للتجربة، يصبحون أكثر قدرة على الابتكار وتحمل المسؤولية والمشاركة في التنمية. أما البيئات التي تُدار بمنطق السيطرة والخوف، فإنها تنتج أفراداً تابعين أكثر من كونهم فاعلين.

استقلالية الشباب لا تعني الفوضى أو الانفلات، كما يُروَّج أحياناً، وإنما تعني بناء علاقة صحية بين التوجيه والحرية. فالمطلوب ليس غياب دور الأسرة، وإنما تحوله من السيطرة المباشرة إلى الإرشاد الواعي والمتابعة المتزنة. هناك فرق كبير بين أب يصنع شخصية ابنه، وأب يصادرها دون أن يشعر.

لهذا تبدو الحاجة اليوم ملحّة لإعادة التفكير في مفهوم التربية داخل مجتمعاتنا، خصوصاً في ظل عالم سريع التحول يحتاج إلى شخصيات مرنة وقادرة على اتخاذ القرار والتكيّف مع المتغيرات. المطلوب تربية تُشجع على السؤال لا الخوف منه، وعلى التجربة لا تجميدها، وعلى بناء الثقة بالنفس لا تكريس التبعية.

حين يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى كيف يختار ويتحمل نتائج اختياره، فإنه يكبر وهو أكثر اتزاناً وقدرة على فهم ذاته والعالم من حوله. وحين نمنح الشباب مساحة للتفكير والمبادرة، فإننا لا نبني أفراداً مستقلين فقط، وإنما نبني مجتمعاً أكثر نضجاً واستقراراً وقدرة على مواجهة المستقبل.

ذات صلة

عيد الأضحى المبارك: عيد المعرفة والإيمانتحديات الحكومة العراقية الجديدة بين الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليميةوضع الشيعة في الإمارات والخليج في ظل حرب إيران وصراع التحالفات الإقليميةالإسلام وعلم الاجتماع الدينيالبصير في مجتمع أعمى!