الزواج والهروب من الفراغ
شبكة النبأ
2026-05-13 04:01
لم يعد الزواج في حياة كثير من الشباب قرارًا عاطفيًا أو اجتماعيًا بسيطًا كما كان في أزمنة سابقة، بل تحوّل إلى قضية معقدة تتداخل فيها الحسابات الاقتصادية والنفسية والثقافية وحتى الوجودية أحيانًا. فالشاب الذي كان ينظر إلى الزواج بوصفه بداية طبيعية للحياة، أصبح اليوم يتعامل معه كحلم مؤجل أو مشروع محفوف بالخوف والأسئلة الثقيلة: كيف سيوفر السكن؟ كيف يؤمن دخله؟ وكيف يواجه مجتمعًا يربط قيمة الإنسان بما يملك لا بما يستطيع أن يبنيه مع شريك حياته؟
وفي العراق، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا تحت ضغط البطالة وغلاء المعيشة واتساع النزعة الاستهلاكية. فالكثير من الشباب لا يهربون من فكرة الزواج بقدر ما يهربون من العجز الذي قد يرافقه. إذ يشعر الشاب أحيانًا أن دخوله إلى مؤسسة الزواج دون استقرار مادي يشبه دخوله إلى معركة غير مضمونة النتائج.
لقد ساهمت التحولات الاجتماعية الحديثة في تضخيم الصورة المادية للزواج بصورة لافتة. فالمهور المرتفعة، ومتطلبات السكن، والمظاهر الاجتماعية، والضغوط المرتبطة بحفلات الزفاف والأثاث والكماليات، كلها جعلت الزواج يبدو مشروعًا ماليًا مرهقًا أكثر من كونه شراكة إنسانية لبناء حياة مستقرة.
ومع الوقت، لم تعد المشكلة مقتصرة على التكاليف وحدها، بل امتدت إلى تغيّر مفهوم النجاح الاجتماعي نفسه. فالمجتمع الذي يربط مكانة الإنسان بحجم دخله أو قدرته الشرائية، يدفع الشباب بصورة غير مباشرة إلى تأجيل الزواج حتى يشعروا أنهم بلغوا “الصورة المقبولة اجتماعيًا”. وهكذا يتحول الارتباط، الذي يفترض أن يكون مساحة للاستقرار والدعم المتبادل، إلى عبء نفسي يسبق حدوثه بسنوات.
لكن وسط هذا التعقيد، يبرز سؤال مختلف: هل المشكلة الحقيقية في الزواج ذاته، أم في غياب الهدف والمعنى والاستقرار الداخلي لدى بعض الشباب؟
فهناك حالات لا يكون فيها الفقر ماديًا فقط، بل يمتد إلى طريقة التفكير ونمط الحياة والشعور بالمسؤولية. بعض الشباب يعيشون سنوات طويلة داخل حالة من التشتت والفراغ، دون هدف واضح أو مشروع شخصي أو إحساس جدي بالمستقبل. ومع غياب الدافع الحقيقي، يتحول الوقت إلى مساحة مفتوحة للهروب واللهو والانتظار، حتى تتراكم الهشاشة النفسية إلى جانب الضيق المادي.
وفي المقابل، يمكن أحيانًا لهدف واضح مثل الزواج أن يعيد تشكيل حياة الإنسان من الداخل. ليس لأن الزواج بحد ذاته يصنع المال بصورة سحرية، وإنما لأنه يمنح الإنسان شعورًا بالمسؤولية والدافع والاتجاه. فالإنسان الذي يمتلك هدفًا حقيقيًا، يبدأ بالنظر إلى وقته وعمله ومستقبله بطريقة مختلفة.
أتذكر هنا تجربة شاب كان يعيش حالة من الضياع الصامت. أنهى دراسته الجامعية بتفوق، لكنه لم يمتلك أي رؤية واضحة لما بعد التخرج. كانت أيامه تمضي بين الفراغ واللهو والتأجيل المستمر، حتى بدأ يشعر تدريجيًا بثقل العجز المادي والنفسي معًا. لم يكن فقيرًا بالمعنى المالي فقط، بل كان يعيش فقرًا داخليًا أيضًا؛ ضعفًا في الثقة، وتراجعًا في الحافز، وشعورًا خفيًا باللاجدوى.
وحين بدأ يفكر بالزواج، لم يكن الأمر مجرد رغبة عاطفية عابرة، بل بدا وكأنه أول هدف حقيقي يوقظه من حالة الركود. فجأة صار الوقت يعني شيئًا، والعمل أصبح ضرورة، والبحث عن فرصة تحول إلى قضية يومية. لم يتغير العالم حوله، لكن نظرته لنفسه تغيّرت.
في البداية حاول إطلاق مشروع صغير وفشل بسبب قلة خبرته، لكنه هذه المرة لم يعد الشخص الذي يستسلم بسهولة. فوجود هدف واضح جعله أكثر صبرًا وإصرارًا. وبعد محاولات متكررة حصل على فرصة عمل مناسبة، ثم بدأ تدريجيًا باستعادة ثقته بنفسه وقدرته على بناء حياته.
هذه التجربة لا تعني أن الزواج حل سحري للفقر، ولا أن كل شاب سيتحول تلقائيًا إلى شخص ناجح بمجرد الارتباط، لكنها تكشف جانبًا مهمًا يغيب أحيانًا عن النقاشات الاجتماعية: الإنسان يحتاج إلى معنى يدفعه للحركة. فالكثير من حالات التراجع لا ترتبط فقط بندرة الفرص، بل أيضًا بغياب الدافع الداخلي القادر على تحويل الفرصة الصغيرة إلى بداية مختلفة.
ولهذا يبدو الزواج، في بعض الحالات، محفزًا نفسيًا واجتماعيًا أكثر من كونه مجرد علاقة بين شخصين. فهو ينقل الإنسان من دائرة الفردية المؤقتة إلى مساحة المسؤولية المشتركة، ويجعله أكثر اتصالًا بالمستقبل وأكثر استعدادًا للتضحية والعمل والاستقرار.
لكن المشكلة أن المجتمع أحيانًا يفرغ الزواج من معناه الإنساني ويحوّله إلى سباق استهلاكي مرهق. فبدل أن يكون بداية بسيطة قابلة للنمو، يصبح مشروعًا مثقلًا بالمظاهر والمقارنات والشروط المبالغ فيها. وهنا يفقد الزواج دوره الطبيعي كمساحة للاستقرار والتكامل، ويتحول إلى أزمة اقتصادية ونفسية جديدة.
كما أن اختزال المشكلة في “المهور المرتفعة” وحدها لا يبدو كافيًا لفهم تعقيد الظاهرة. فحتى لو انخفضت تكاليف الزواج، سيبقى الشاب القلق على مستقبله عاجزًا عن الإقدام إذا كان يشعر بانعدام الأمان الاقتصادي أو فقدان المعنى الشخصي في حياته. ولهذا فإن القضية أعمق من مجرد أرقام أو تكاليف، لأنها ترتبط ببنية اجتماعية كاملة تعاني من القلق وعدم الاستقرار وضعف الفرص.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية هذا التراجع. فالدولة والمجتمع والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية جميعها تتحمل جزءًا من المسؤولية في خلق بيئة تجعل الاستقرار ممكنًا. فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل، ولا يمتلك أفقًا اقتصاديًا واضحًا، يعيش غالبًا داخل خوف مستمر من المستقبل، وهذا الخوف ينعكس مباشرة على قراراته الكبرى وفي مقدمتها الزواج.
في النهاية، لا يبدو الزواج حلًا مباشرًا للفقر بقدر ما يمكن أن يكون نقطة تحوّل في حياة بعض الأشخاص حين يتحول إلى هدف يمنحهم معنى ومسؤولية ودافعًا للحركة. فالإنسان لا يتغير غالبًا بسبب النصائح وحدها، وإنما حين يجد شيئًا يشعر أنه يستحق أن يبذل من أجله وقته وجهده وتعبه.
ولهذا فإن المجتمعات التي تريد حماية شبابها من الضياع والفراغ، تحتاج إلى إعادة بناء فلسفة الزواج نفسها، بعيدًا عن الاستعراض المادي والضغوط الاجتماعية. فالعلاقة الإنسانية الناجحة لا تُبنى بحجم المهر أو عدد الكماليات، وإنما بقدرة شخصين على صناعة حياة متوازنة تمنحهما الاستقرار النفسي والمعنوي معًا.
وربما تكون المشكلة الحقيقية اليوم أن كثيرًا من الشباب لا يخافون من الزواج نفسه، بل من الشعور بالعجز داخله. وهذا ما يجعل الحاجة ملحة إلى مجتمع يمنح الإنسان فرصة للحياة قبل أن يطالبه ببناء حياة كاملة للآخرين.