جنون مقدس: صرخة عراقية بين العقل والجنون

أوس ستار الغانمي

2026-02-18 04:28

في قلب بغداد، وسط شوارع تعج بأصداء الحرب وآثارها المستمرة، قدمت الكاتبة زهراء محمد كريم السراي روايتها "جنون مقدس"، التي حملت في طياتها تجربة نفسية وفلسفية عميقة، تطرح أسئلة جوهرية عن الطبيعة البشرية، الشر، والجنون، وطرق مواجهة الإنسان للواقع القاسي.

عنوان الرواية وحده يثير الفضول؛ كيف يمكن أن يكون الجنون "مقدسًا"؟ وفق السراي، يصبح الجنون مقدسًا حين يعبر عن رفض الإنسان للشر المستشري حوله، وحين يصبح فقدان العقل محاولة للتحرر من الواقع القاسي. فالفقدان العقلي هنا ليس مجرد مرض نفسي، بل صرخة احتجاجية على عالم عاجز عن توفير العدالة أو الأمان.

الرواية تقدم شخصيتين محوريتين، زيد وجميلة، اللذان يمثلان صراعات الإنسان الداخلية. زيد، الشاب الذي تعرض لصدمة الواقع، يرى أحلامه تتحطم أمامه ويغرق في التشاؤم والواقعية المفرطة. جميلة، في المقابل، تمثل التفاؤل المفرط، الذي قد يصل أحيانًا إلى حد السذاجة، لكنها تحاول حماية أملها من الخفوت. تتقاطع طرق الشخصيتين لتطرح السؤال المركزي: هل سينتصر التفاؤل على التشاؤم، أم ستظل واقعية زيد هي الحكم النهائي؟

الرواية تتناول ظواهر معقدة في النفس البشرية، مثل مبررات العنف والشر.

 بحسب السراي، كثير من الناس يعيدون صياغة أفعالهم السيئة تحت شعارات مثل الحب أو العاطفة أو حتى الدين، ليصبح الفعل "مقدسًا" في نظرهم. وفي الواقع العراقي المعاصر، نجد هذه الظاهرة تتجسد في جماعات عنيفة تدّعي حماية الدين أو المذهب، لكنها في الحقيقة تستخدم هذه الشعارات لتبرير المجازر والقتل العشوائي. السؤال الذي تطرحه الكاتبة هنا: هل تحقق هذه الأفعال الهدف المعلن، أم أنها مجرد شر مطلق ودماء لا طائل منها؟

الرواية تتعمق أيضًا في مفهوم الإلحاد، ليس كفكرة فلسفية مجردة، بل كرد فعل على الواقع القاسي. بينما قد يلجأ المفكر المترف إلى الإلحاد نتيجة البحث المستمر والشكوك العلمية والفكرية، فإن الشباب في العراق غالبًا ما يصلون إلى هذه المرحلة بدافع الغضب والانتقام من واقع لم يُقدّم لهم العدل أو الأمان. في "جنون مقدس"، يصبح الإلحاد صرخة احتجاج، خطوة أولى للبحث عن معنى، حتى لو كانت البداية غير متوقعة ومضطربة.

واحدة من أهم النقاط التي تبرزها الرواية هي الطبيعة المزدوجة للإنسان: القدرة على الخير والشر في آن واحد. وفق الكاتبة، الشر يظهر بسهولة أكبر من الخير، خاصة في أوقات الأزمات، بينما يحتاج الخير إلى وعي وإرادة لمواجهته. في العراق، حيث تترك الحروب آثارها على الجميع دون استثناء، تصبح مواجهة هذا الشر تحديًا مستمرًا، والجنون المؤقت أحيانًا هو الطريقة الوحيدة للنجاة.

التجربة التي مرت بها زهراء أثناء كتابة الرواية كانت صعبة للغاية، إذ صرحت بأن الكلمات كانت بمثابة مخدر مؤقت وسط الألم النفسي والمعاناة المستمرة. هذا ما يمنح الرواية بعدًا شخصيًا إنسانيًا؛ فهي ليست مجرد نص أدبي، بل انعكاس لمعاناة العراقيين، وصوت لمن عايشوا الحرب وما بعدها.

الرواية لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح أبواب التساؤل والتأمل. الهدف ليس الوصول إلى حل نهائي، بل فهم السؤال ذاته والغوص في معانيه. النهاية المفتوحة للعمل تعكس حقيقة الحياة في العراق والعالم؛ غالبًا ما تكون نهاياتها غامضة، مليئة بالتحديات والأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة.

"جنون مقدس" إذًا ليست مجرد رواية، بل رحلة في أعماق النفس البشرية، محاولة لفهم كيف تتشكل الصراعات الداخلية، وكيف يمكن للمعاناة والواقع أن يغيرا العقل والمشاعر والمصائر. إنها دعوة للقراءة بعقل مفتوح، وتأمل العالم حولنا، وفهم أن مواجهة الحقيقة غالبًا ما تكون أصعب من مواجهة الجنون نفسه.

في النهاية، تقدم زهراء محمد كريم السراي من خلال روايتها صورة صادقة للواقع العراقي، حيث تتداخل الحرب، الإنسان، الشر، والأمل، لتصبح الرواية صرخة صادقة في وجه كل ما هو مظلم، ودعوة للقارئ للتفكير في قدرته على مواجهة الحقيقة والبحث عن ضوء وسط الظلام.

ذات صلة

البوصلة الثقافية في رمضان: التمرين على التقوىالصيام.. من ظاهر التكليف إلى عمق التزكيةالقرآن وتفكيك المجتمع التقليدي: من قداسة الموروث إلى سيادة القيممنظومة استخبارية إلكترونية هجينة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة.. حالة العراقتطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان