السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات.. إشكالية الفصل بين السلطات

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-09-13 02:50

في الأيام الأخيرة، برزت خلف الكواليس حوارات سياسية تطالب بضرورة إبعاد القضاة عن إدارة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقد خرج هذا النقاش إلى العلن بتصريح أدلى به السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، قبل أيام، ليعيد إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول حدود الدور القضائي في العملية الانتخابية.

وهذه المناسبة تفتح الباب لاستعراض الإطار الدستوري الذي رسمه نص المادة (88) من الدستور العراقي، التي جاء فيها: «القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة»، وما تثيره من تساؤلات حول مدى انسجام إشراك القضاة العاملين في السلك القضائي، غير المتقاعدين، في إدارة الانتخابات مع مبدأ الفصل بين السلطات، خاصة إذا ما قورن بالتجارب الدولية التي حصرت الطعون الانتخابية في ولاية القضاء الدستوري دون أن تزج بالقضاة في الإدارة السياسية للعملية.

وحيث إن الدستور العراقي في المادة (88) أكد استقلال القضاء، بإقراره مبدأ أن «القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون»، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. هذا النص يجسد مبدأ الفصل بين السلطات الذي رسخته النظرية الدستورية الكلاسيكية منذ مونتسكيو في «روح القوانين»، وتقوم فلسفتها على منع تداخل السلطات ضمانًا للحرية ومنع الاستبداد، غير أن تطبيق هذا المبدأ يثير إشكالية عند النظر في دور القضاة في العملية الانتخابية، التي تكون بطبيعتها عملية سياسية وإدارية وليست قضائية بحتة.

وبما أن المادة (88) تحمي القضاء من تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتؤكد أن القاضي لا يخضع إلا للقانون، لكن وفق نظرية توازي الأشكال يمكن القول إن النص لا يمنع السلطات الأخرى من التدخل في القضاء فحسب، بل يمنع القضاء أيضًا من التدخل في أعمال تلك السلطات حفاظًا على التوازن الدستوري. 

ويُذكر أن أحد الذين كانوا من الآباء المؤسسين للنظام الدستوري الأمريكي، جورج هاملتون، كان قد اعتبر أن استقلال القضاء وعدم تداخله مع السلطات الأخرى هو الضمانة الكبرى لحماية الدستور والحرية، ولا توجد سيادة لصالح القضاء على أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإنما الجميع يخضع لسلطة الشعب باعتباره مصدر السلطات، وعلى وفق ما ورد في رسالته (78) بتاريخ 28/مايو، أيار/1788؛ نقلًا عن «الأوراق الفدرالية ـ هاملتون، ماديسون، جاي»، ترجمة عمران أبو حجيلة، منشورات دار الفارس للنشر والتوزيع في الأردن، الطبعة الأولى، عام 1996، ص554.

وبما أن الانتخابات تُدار عبر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، المشكلة استنادًا إلى نص المادة (102) من الدستور، وهي هيئة مستقلة ذات شخصية معنوية، لذلك فإن إشراك القضاة العاملين في إدارة المفوضية يزج بهم في عمل سياسي وإداري يتعارض مع طبيعة وظيفتهم القضائية.

لكن يمكن تبرير إشراف القضاة على مرحلة الاقتراع لضمان النزاهة، باعتباره دورًا رقابيًا محايدًا من خلال الإشراف على صناديق الاقتراع فقط، أما إدارة العملية الانتخابية من الألف إلى الياء، كتسجيل الناخبين، وتنظيم الدوائر، وإعلان النتائج، وقبول المرشحين وإبعادهم، فهذه الإجراءات تُعد عملًا سياسيًا لا يتناسب مع استقلال القضاء.

فضلًا عن ذلك، فإن وجود قضاة عاملين في المفوضية، وهم خاضعون لمجلس القضاء الأعلى، يخل بمبدأ الاستقلال؛ لأنهم مرتبطون وظيفيًا بسلطة أخرى، بينما القانون يجعلهم تحت رقابة مجلس النواب، السلطة التشريعية، وعلى وفق أحكام المادة (102) من الدستور التي جاء فيها: «تُعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النزاهة، هيئات مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب، وتُنظم أعمالها بقانون»، والمادة (1) من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019. وهذا الوضع يفتح الباب أمام الطعن في حيادهم، ويجعلهم عرضة لشبهات التسييس، وهو ما يتناقض مع فلسفة المادة (88) من الدستور.

وكذلك تضمن قانون المفوضية ممارسة صلاحية حصرية لمجلس النواب من مجلس القضاء الأعلى، حينما منح السيد رئيس مجلس القضاء صلاحية إرسال أسماء المرشحين لمجلس المفوضين إلى رئيس الجمهورية لإصدار مرسوم تعيينهم، بينما المفوضية، بحكم الدستور، لا ترتبط بمجلس القضاء الأعلى، وإنما تخضع لرقابة مجلس النواب. وإذا لم تُحدد بشكل واضح جهة ارتباطها، فإن مهامها هي التي ترسم ملامح هذا الارتباط، ويكون بمجلس الوزراء، ولم يرد فيه أن يكون الارتباط بمجلس القضاء الأعلى. 

وعلى وفق ما ورد في قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري رقم 88/اتحادية/2010 في 18/1/2011، والذي أكدته في قرارها بالعدد 43/اتحادية/2019 في 11/7/2021، وقد جاء فيه توصيف للمركز الدستوري لإحدى الهيئات المستقلة التي وردت مع مفوضية الانتخابات في المادة (102) من الدستور، وهي مفوضية حقوق الإنسان، والذي يُعد مبدأً مهمًا دستوريًا، حيث جاء فيه: «وإزاء هذا الاستقلال الموصوف في ما تقدم، فإن فكرة ربط هذه المفوضية بسلطة من السلطات فكرة تتجافى مع فكرة الاستقلال المؤكد دستوريًا، وبالتالي تخلص المحكمة إلى أن النص التشريعي الذي يتبنى هذه الفكرة فيه خروج على نص دستوري حاكم ورد في المادة (102) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005».

كما تؤكد التجارب الدولية هذا الاتجاه بضرورة إبعاد العملية الانتخابية عن القضاء العادي قدر المستطاع، وإن وجدت ضرورة قصوى فإن مهام القضاء تكون لصالح القضاء الدستوري، وفي بعض البلدان العربية القضاء الإداري؛ لأنه شأن تنفيذي إداري وسياسي. ومن هذه التجارب، ففي فرنسا تتولى وزارة الداخلية إدارة العملية الانتخابية، بينما يقتصر دور المجلس الدستوري على الرقابة وإعلان النتائج، وفي بريطانيا تُدار الانتخابات عبر المفوضية الانتخابية المستقلة، ويقتصر دور القضاء على النظر في الطعون بعد إعلان النتائج، أما في الولايات المتحدة فتُدار الانتخابات على مستوى الولايات، بينما يقتصر دور القضاء على البت في الطعون الكبرى، كما في قضية جورج بوش الابن ضد المرشح الرئاسي في حينه آل غور عام 2000 في الولايات المتحدة، والتي تُعد مثالًا بارزًا على حصر دور القضاء في الطعون الدستورية، إذ أوقفت المحكمة العليا إعادة فرز الأصوات في فلوريدا بسبب غياب معايير موحدة، وهو ما حسم النتيجة لصالح جورج بوش الابن. وهذا التدخل أبرز أن القضاء لا يدير الانتخابات، بل يقتصر دوره على الرقابة الدستورية وضمان الشرعية.

وفي جميع هذه النماذج، فإن الجهة التي تنظر في الطعون الانتخابية تخضع لولاية القضاء الدستوري حصرًا، أي إن القضاء لا يُزج في الإدارة السياسية للعملية الانتخابية، وإنما يبقى دوره محصورًا في الرقابة الدستورية وضمان الشرعية فقط.

ومما تقدم، فإن المادة (88) لا تقتصر على حماية القضاء من تدخل السلطات الأخرى، بل يمكن تفسيرها بأنها تمنع القضاء أيضًا من التدخل في أعمال تلك السلطات. وبذلك فإن إشراك القضاة العاملين في إدارة العملية الانتخابية يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، ويهدد استقلال القضاء، ويفرغ النص الدستوري من مضمونه. 

وأرى أن الحل الأمثل هو أن يقتصر دور القضاء على الرقابة والبت في الطعون الانتخابية، ويكون الاختصاص للقضاء الدستوري باعتباره مسؤولًا عن المصادقة على النتائج الانتخابية، وعلى وفق أحكام المادة (93/سابعًا) من الدستور. ويجب أن تُدار العملية الانتخابية من قبل هيئة مستقلة دستوريًا، لا ترتبط وظيفيًا بأي سلطة أخرى، سواء ارتباطًا إداريًا، أو الارتباط من خلال إخضاعها للتعيين والترشيح لأعضاء المفوضية، مثلما هو الحال في القانون النافذ رقم (31) لسنة 2019، تحقيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات وحماية الحياد القضائي، كما هو الحال في النظم الديمقراطية الحديثة.

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

أين الخلل.. قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستانهل سمعت بمتلازمة بيكا؟المهندسة تبارك علاء لـ شبكة النبأ: الرصيف اختبار حقيقي لإنسانية التصميممن يتحكم في البيانات يتحكم في المستقبلنقص الديزل يضرب العراق.. وإطفاء المولدات غدًا