آلام قديمة ومعاناة مستمرة
عبد الامير المجر
2026-09-08 02:49
من الأقوال المنسوبة إلى بوذا الألم حتمي أما المعاناة اختيارية، لا شك أن كل واحد منا يؤكد مصداق هذه الحكمة، سواء صحت نسبتها لبوذا أو لم تصح، فنحن جميعًا عشنا الألم في حياتنا، وتجرّعنا مراراته وبأشكال مختلفة، مثل فقد الأحبة، وما أكثر ما فقدنا كعراقيين، بالإضافة إلى المواقف الكثيرة المؤلمة التي غطت أعمارنا وتركت آثارها على ما تبقى منها، لكن هناك من لم يحوّلها إلى معاناة دائمة، فالمعاناة هي أن تستحضر وباستمرار صور ما أصابك من آلام وتجعلها زادًا يوميًا يطحن نفسك وروحك ويحيل حياتك إلى جحيم متصل.
وإذا كان هذا ينطبق على تجاربنا الشخصية، فإنه ينطبق أيضًا بدرجة كبيرة، على ذاكرتنا الجمعية وما تختزنه من آلام وصراعات. فكثيرًا ما أقرأ لبعض العراقيين، مثقفين ومتعلمين، اجترارات من الماضي، تتصل بحياتنا السياسية والثقافية والاجتماعية، وأشياء أخرى تتعلق بتفاصيل متناثرة حصلت قبل عقود كثيرة، حيث تتحول هذه التفاصيل المجترة إلى محاور لنقاشات ومناكفات بين مؤيدين ومعارضين أو بين مشككين ومصدّقين وأحيانًا تتسبب بعداوات، مع أن الأمر لا يعدو كونه اختلافًا في وجهات النظر، غير متناسين الظروف التاريخية التي حصلت بها تلك الأحداث أو المواقف، وأن عوامل عديدة أسهمت في صناعتها أو الدفع باتجاهها، لم يستحضرها المتحاورون المختلفون الذين يسقطون مزاج مرحلتهم الحالية وثقافتها على أحداث قديمة، لو كانوا هم عاشوها لكانت مواقفهم تختلف ربما عما يتحدثون به اليوم.
نعم، لقد تحولت الآلام التي عشناها أو عاشها أهلنا قبل عقود كثيرة أو قليلة إلى معاناة لنا أيضًا، والسبب هو أننا جعلناها تعيش معنا وتفرش ظلالها الثقيلة على حاضرنا وتحيله إلى مسلسل طويل من الكآبة والنكد المستمرين، بل وتصادر فرصتنا في النظر للمستقبل.
لا أدري ما الجدوى من الاحتدام في النقاش المستمر حول شرعية النظام الملكي الذي أقيم مطلع عشرينيات القرن الماضي، ولماذا الشتائم المتبادلة بين المؤيدين والمعارضين له، وكذلك بين مؤيدي ما حصل يوم 14 تموز 1958 وبين المعارضين، مع أن أغلب دول العالم شهدت تجارب مشابهة وعاشت تفاصيلها وجعلتها جزءًا من تجاربها الجمعية وذاكرتها الوطنية، فهكذا أحداث لم تحصل نتيجة اجتهاد شخص أو جهد مجموعة معينة، وإنما كانت إفرازًا طبيعيًا لظرف تاريخي دولي أتى الحدث في سياق تفاعلاته وتداعياته، سواء على العراق أو غيره، وأن المكوث في هذا الجدال البيزنطي، ليس فقط لا يخدمنا بشيء وإنما يسهم في تصدع العلاقات بين أبناء المجتمع ويشتت رؤيتهم في بناء بلدهم.
شيء آخر يؤلم أيضًا، هو أن هناك أشخاصًا صاروا يمارسون دور العقلانيين وأصحاب البصيرة النافذة، أو هذا ما يريدون إيصاله إلينا، إذ تراهم يلقون علينا وبشكل شبه يومي بالدروس السياسية والأخلاقية من خلال استحضار أحداث يرون أنها كانت أخطاء أو تبين عدم صوابيتها، مصحوبة بتهكمهم وشتمهم مؤيديها حين حصولها والذين كانوا وراءها، مع أن صحة أو خطأ هذا الحدث أو ذاك بات معروفًا للجميع، وأن قراءته المتأخرة على طريقة هؤلاء (المكتشفين الفلتة) يعكس غفلتهم هم.
لننظر إلى المستقبل وأن نحترم خيارات الناس في ما ترى وتتبنى، لأن اتخاذ الموقف ومن أي حدث لا يخضع لمنطق واحد وإنما يجتهد كل شخص في أن يقرأه تحت تأثير عوامل عديدة تسهم في بلورة رؤيته الشخصية له وقد تختلف هذه العوامل من إنسان لآخر تبعًا لظرفه وثقافته وميوله العميقة، وهذه مسألة تحتاج حقًا إلى ثقافة لا نعتقد أن عشاق الاستعراضات يحملونها.