من الجهل المركب إلى الجهل المقدس

د. علي أسعد وطفة

2026-08-25 02:18

"احذر من ادعاء المعرفة، فهو أشد خطرًا من الجهل".

جورج برنارد شو

1- مقدمة

ليس الجهل نقيضًا بسيطًا للعلم، ولا مجرد فراغ في المعرفة يمكن ملؤه بالتعلم والتعليم؛ فالإنسان يولد وهو يجهل أكثر الأشياء، ويظل، مهما اتسعت معارفه، محاطًا بآفاق لا تنتهي مما لا يعرفه. ومن هذه الزاوية يبدو الجهل حالة إنسانية طبيعية، بل قد يكون الاعتراف به بداية للحكمة والمعرفة. فالخطر لا يبدأ عندما نجهل، وإنما عندما نفقد الوعي بجهلنا، ونحسب ما نعرفه معرفة مكتملة، ونحوّل أوهامنا وأحكامنا الناقصة إلى حقائق لا يرقى إليها الشك.

ومن هنا تتدرج المسألة من الجهل البسيط، الذي يعرف صاحبه حدود معرفته ويظل قابلًا للتعلم، إلى الجهل المركب، حيث يجهل الإنسان ويجهل أنه يجهل، ثم تبلغ ذروتها فيما يمكن أن نسميه الجهل المقدس؛ أي ذلك الجهل الذي لا يكتفي صاحبه بالاطمئنان إلى أوهامه، بل يضفي عليها طابعًا من اليقين والقداسة، فيحصّنها ضد السؤال والنقد والمراجعة. وعند هذه النقطة لا يعود الجهل مجرد نقص معرفي، بل يتحول إلى بنية ذهنية مغلقة، وإلى قوة رمزية قادرة على إنتاج الوهم وإعادة إنتاجه والدفاع عنه.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتسلل إلى الفضاءات التي يفترض أنها حصون للمعرفة والعقل النقدي، وفي مقدمتها الجامعة والمؤسسات الأكاديمية؛ إذ قد تمنح الألقاب والمواقع العلمية بعض أشكال الجهل سلطة وهيبة لا تستمدهما من المعرفة ذاتها، وإنما من المكانة الاجتماعية والأكاديمية لحاملها. وهنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة: قد يسكن الجهل قلب المؤسسة المنتجة للعلم، وقد تتحول المعرفة نفسها، عندما تنغلق على يقينياتها وتتوقف عن مساءلة ذاتها، إلى حجاب يحول دون المعرفة.

وانطلاقًا من هذه المفارقة، تحاول هذه المقالة تتبع المسافة الفاصلة بين الجهل البسيط والجهل المركب والجهل المقدس، والكشف عن التحولات التي تجعل الجهل ينتقل من حالة طبيعية قابلة للتجاوز إلى حالة دوغمائية مغلقة تقاوم المعرفة باسم المعرفة نفسها. كما تسعى إلى مساءلة بعض تجليات هذا الجهل في المجال الأكاديمي، حيث يصبح السؤال عن حدود ما نعرفه شرطًا أساسيًا لكل معرفة حية، ولكل عقل قادر على النقد والتجدد.

2- تعريف الجهل

جاء في اللغة أن "الجهل نقيض العلم، والفعل منه جهل فلان، والمصدر جهل وجهالة". وقد أفاض علينا حكيم الصين كونفوشيوس بتعريفه الجميل للجهل في قوله المأثور: "الجهل ليل العقل، وهو أدهم حالك لا قمر فيه ولا نجوم". فالجهل لا يكون إلا نقيضًا للعلم والمعرفة في أبسط تجلياتهما وتعيناتهما، والجهل أيضًا في أبسط تعريفاته: عدم المعرفة بالشيء، وهو عدم حضور صورة الشيء في الذهن، كما عرّفه إخوان الصفا. ويمكن التمييز بين عدة أشكال من الجهل، أبرزها ثلاثة أنواع: يتمثل الأول في "الجهل البسيط"، أي انعدام المعرفة بالشيء، وهو أبسط أنواع الجهل، ويأخذ النوع الثاني صورة الجهل الكامل الذي يتجلى في جهل الأشياء وإنكارها في الوقت نفسه، أما الثالث فيأخذ صورة الجهل المركب، وهو جهل بالأشياء وجهل بجهلها، وكأن الجهل المركب يشمل كل أنواع الجهل وتجلياته(1). وقد نجد تفصيلًا ذكيًا لمفهوم الجهل المركب في مقالة عبد الله بن محمد السعوي بعنوان "الجهل المقنّع: رؤية من الداخل"، إذ يقول: يتكون الجهل المركب "من جهلين: الجهل بالوقائع والأشياء، ثم الجهل بهذا الجهل"(2). ويستطرد السعوي قائلًا: "الوعي لدى الجاهل المركب مغيب، فهو لا يعي بذاته فضلًا عن غيره"(3). ومن أجل مزيد من الإيضاح نقول: إن الجهل المركب نوعان: أحدهما موضوعي يتمثل في جهل الأشياء، والثاني ذاتي، أي جهل الإنسان بجهله لهذه الأشياء.

ويُعد تعريف إخوان الصفا وخلان الوفا للجهل من أكثر التعريفات بلاغة وبساطة وجمالًا، وقد اعتمدوا تعريفًا له يقوم على محك التقابل بينه وبين العلم، فقالوا: "العلم إنما هو صورة المعلوم في نفس العالم، وضده الجهل، فهو عدم تلك الصورة من النفس"(4).

3- من الجهل البسيط إلى الجهل المركب

يتجلى تعريف الخليل بن أحمد الفراهيدي(5) للجهل بقدرته العبقرية على التمييز بين العلم والجهل، ويُعد تعريفه من أكثر الطفرات الإبداعية في مجال تعريف الجهل وحدوده، وقد نص تعريفه العبقري على أن: "الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم؛ فاتبعوه! ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك غافل؛ فنبّهوه! ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك جاهل؛ فعلّموه! ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق؛ فاحذروه!"(6). وتكمن عبقرية الفراهيدي في أنه استطاع، بتعريفه البسيط، أن يميّز بين كل أصناف الجهل ودرجاته وتكويناته بطريقة عبقرية متفردة. ومن ينظر إلى تعريف الفراهيدي سيجد أنه ينطوي على التعريفات المتقدمة التي فصلت بين الجهل البسيط والمركب والمعقد.

ويتضح مفهوم الجهل المركب في الشطر الأخير من تعريف الفراهيدي القائل: "رجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق، فاحذروه". وهو ما يدل على أن الجهل المركب هو الجهل الكامل الذي يتضمن الجهل البسيط القائم في نفس صاحبه، ثم جهل الجاهل بجهله، وعلى هذا النحو يكون الجهل المركب جهلًا معقدًا مكونًا من جهل صاحبه الطبيعي بما حوله، ومن ثم جهله بجهله واقتناعه به. ومن ثم يأتي حديثنا عن الجهل المقدس، وهو الجهل الأعنف والأخطر، ويتمثل هذا الجهل في اللحظة التي يضفي فيها الجاهل على جهله طابع القداسة، فتصبح جهالاته مطلقات مقدسة لا تقبل النقد أو الملامسة والنقض، فيصبح عبدًا لجهله، ويتحول جهله إلى صنم أو وثن للعبادة، وهنا تكمن الخطورة الكبرى في مسألة الجهل والجهالة.

ويصف الروائي المصري يوسف السباعي(7) هذا النوع من الجهل بقوله: "أما الجهل المركب، فمصابه ثقيل، فهو جهل أولئك الذين لا يظنون بنفوسهم جهلًا، أولئك القادرون المسيطرون المترفعون المتكبرون، الذين يكسون أنفسهم طلاءً زائفًا من الفهم والذكاء، ويبهرون غيرهم بمظهرهم الكاذب الخادع، فيتولون أمر سواهم، ويتحكمون في مصائر غيرهم، والجهل في باطنهم متأصل ومتحكم"(8).

وقد أجاد العرب شعرًا في الفصل بين أنواع الجهل، بسيطه ومركبه، وقد أبدع شرف الدين العمريطي المصري الشافعي، المتوفى بعد سنة 989 هجرية، في توصيف الجهل وتقاسيمه في أرجوزته الشعرية المشهورة، إذ قال:

والجهلُ قلْ تصوّرُ الشيءِ على

خلافِ وصفِهِ الذي به علا

وقيل حدُّ الجهلِ فقدُ العلمِ

بسيطًا أو مركبًا قد سُمّي

بسيطُه في كلّ ما تحت الثرى

تركيبُه في كلّ ما تُصوِّرا

وقد أفاض شعراء العربية في وصف هذا الجهل المركب وصفًا دقيقًا جميلًا، ومنه قول أحد الشعراء:

لمّا جهلتَ جهلتَ أنك جاهلٌ جهلًا

وجهلُ الجهلِ داءٌ مُعضلُ

ووصف المتنبي هذا الجهل وصفًا بيّنًا بليغًا بقوله:

ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهلَه

ويجهل علمي أنه بي جاهلُ

ويجهل أني مالكُ الأرضِ مُعسرٌ

وأني على ظهرِ السماكين راجلُ

ومنه قوله أيضًا في هذا النوع من الجهل:

جهلتَ ولم تعلمْ بأنك جاهلٌ

فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري

وقد أجاد الشاعر جهاد أبو جحا في وصف الجهل المركب، مشيرًا إلى خطره الكبير في تدمير المجتمع والحياة، إذ يقول:

جهولٌ جهلُه جهلٌ مركبْ

بدعوى العلمِ دورَ الناسِ خرّبْ

وكم من جاهلٍ في الدينِ يفتي

بآلافِ المصائبِ قد تسبّبْ

وبناءً على هذه الرؤية يمكننا القول إن الجهل البسيط أو العادي هو حالة طبيعية في الناس وعلاقتهم بالأشياء، ومثل هذا الجهل قد يزول بزوال أسبابه التي تتمثل في الجهد في معرفته والعلم به عن طريق التعلم والتعليم. أما الجهل المركب فهو جهل خطير؛ لأنه جهل بُني على جهل وأُسس على جهالة. وقد يكون في هذا القول المأثور توضيح أكبر: "العلم يجعلك تعلم أنك لا تعلم، والجهل يجعلك تجهل أنك جاهل"، وجاء في الذكر الحكيم: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا"، وقد سبق لسقراط أن قال يومًا: "إنني أعرف شيئًا واحدًا، وهو أنني لا أعرف شيئًا". فالجهل حالة طبيعية حتى في العارفين من العلماء عندما يتعدى الأمر موضوع علمهم، وقد جاء في الحكمة: "العلم يجعلك تعلم أنك لا تعلم، والجهل يجعلك تجهل أنك جاهل".

4- حمار الحكيم توما أنموذجًا

تندر الأدباء العرب في مسألة التمييز بين الجهلين البسيط والمركب، ومن أطرف ما صيغ على صورة أرجوزة تقارن بين الحمار وصاحبه الجاهل الحكيم توما. وجاء في السرد الحكائي أن حكيمًا كان يعيش في باب توما، أحد أحياء دمشق التاريخية، وقد أنجب هذا الحكيم ابنًا غبيًا سمّاه "توما". وبعد وفاة الحكيم لم يستطع توما الابن أن يتبحر في علم أبيه، ومع ذلك سار على نهج أبيه فادعى الحكمة والفلسفة من غير تفقه فيهما. وقد وقع التصحيف في بعض الكتب التي عنده، فكان يقرأ: "الحية السوداء شفاء من كل داء"، إذ تصحفت كلمة "حبة" إلى "حية"، فمات بسبب تطببه خلق كثير. وأصبح "الحكيم توما" مصدرًا لسخرية الناس وأهل العلم، فأجروا على لسان حماره هذه الأرجوزة ذمًا له: "قال حمار الحكيم توما: متى ينصف الزمان فأركب؟ فأنا جاهل بسيط، أما صاحبي فجاهل مركب". وتتضمن هذه الأرجوزة الشعرية دلالات كثيرة في التمييز بين الجاهل والعالم الجاهل. 

ويمكن شرح هذه المقولة ببساطة، مفادها: "أن حمار هذا الحكيم اعترض على راكبه وقال: لو أنصفوني وحكموا بالحق ما كنتُ أُركب، يعني ما كان يركبني هذا الحكيم؛ لأنني جاهل بسيط وهو جاهل مركب. فأنا لا أعلم المعلومات ولا أدعي أني أعلم، أنا جاهل بسيط، أما هذا الدجال الذي يركبني فهو جاهل مركب، يجهل الحقيقة ويدعي العلم، ويدرك الشيء على خلاف حقيقته".

وقد ورد ما يماثل هذه القصة ويطابقها على لسان الأديب المصري توفيق الحكيم(9)، الذي أورد في قصته المعروفة "حمار الحكيم" أرجوزة مماثلة، ولكنها أكثر عمقًا وانفتاحًا، تقول:

"أيها الزمان! متى تُنصف فأركب؟ فأنا جاهل بسيط، أما صاحبي فجاهل مركب"(10).

ويبدو أن قصة توما الحكيم ترددت في الأدب وعلى لسان الأدباء وترنمت في أشعارهم، وكان أبو حيان الأندلسي النحوي كثيرًا ما ينشد هذه الأبيات التي يستهجن فيها الجهل والجهالة، مؤكدًا أهمية تأصيل العلم من العلماء لا من الكتب، ويختمها باسم توما الحكيم الذي أصبح عنوانًا للجهل والجهالة في الأدب والشعر:

يظنُّ الغُمرُ أن الكتبَ تهدي

أخا فهمٍ لإدراكِ العلومِ

وما يدري الجهولُ بأن فيها

غوامضَ حيّرت عقلَ الفهيمِ

إذا رُمتَ العلومَ بغيرِ شيخٍ

ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ

وتلتبسُ العلومُ عليك حتى

تصيرَ أضلَّ من توما الحكيمِ

وقد يتحول الجهل الطبيعي البسيط إلى حالة مرضية عصابية نرجسية عندما يتبلور في جهل مركب قائم على جهل الإنسان بجهله، ومن ثم إضفاء طابع القداسة على هذا الجهل. ولذا كثيرًا ما يردد العارفون مقولة سقراط الشهيرة: "أيها الإنسان، اعرف نفسك"، ويُبنى على هذا القول أن معرفة الإنسان لذاته هي أشرف المعارف. وقد قيل: "من عرف نفسه عرف ربه"، وجاء في المأثور الشعري ما يُنسب إلى علي بن أبي طالب: "وتحسب أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر"، وفي هذا البيت نتلمس أهمية معرفة النفس كمنهج لمعرفة العالم كله وإدراكه.

ويتناول أبو المعالي الجويني(11)، المتوفى سنة 480 هجرية، العلاقة بين الجهل البسيط والجهل المركب في كتابه المختصر جدًا "الورقات في أصول الفقه"(12)، فيقول: "الجهل البسيط هو إدراك الشيء على غير حقيقته، والجهل المركب هو إدراك الشيء على غير حقيقته، مع اعتقاد المدرك أنه يدركه على حقيقته"(13).

ويستفيض نصر محمد عارف في شرح الحد الفاصل بين الجهل المركب والبسيط، فيقول: "أن ترى الإرهاب جهادًا، فهذا جهل بسيط، أما أن تعتقد أنك الوحيد صاحب الرأي الصحيح، وتدافع عنه، وتتهم من يخالفه، فهذا هو الجهل المركب. فالجهل البسيط يمكن العلاج منه، والتخلص من تبعاته، ولكن الجهل المركب مرض عضال؛ لأن الجهل في هذه الحالة يتحول إلى عقيدة، يستميت صاحبها في الدفاع عنها، ولا يقبل أي علاج، بل على العكس، يرى الأصحاء مرضى، والمرضى أصحاء. لقد عانت مجتمعاتنا لقرون من هذا المرض، وما زالت تعاني حتى اليوم، بل إن المعاناة اليوم أشد مع انتشار وسائل الإعلام الجماهيري والتواصل الاجتماعي التي تحولت إلى أدوات ناجحة في نشر الجهل المركب بين الناس"(14).

5- من الجهل المركب إلى الجهل المقدس

يأخذ الجهل المركب صيغًا متعددة، أبرزها: الجهل المقدس، والجهل المقنّع، والجهل المؤسس، وتدور هذه المفاهيم في فلك واحد مع اختلاف التسميات. فالجهل المقدس هو جهل مركب دوغماتي يضفي طابع القداسة على المعلومات الجزئية والخاطئة لدى أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات، الذين يتحركون ضمن دوائر المطلقات واليقينيات الأيديولوجية. ونعني بـ"الجهل الأكاديمي" ذلك النمط من الجهل المركب الذي ينخر عقول بعض الباحثين والأكاديميين وأساتذة الجامعة، وهو ما يضفي على هذا الجهل طابعًا "علميًا" و"أكاديميًا" بحكم الموقع العلمي والأكاديمي لأصحابه(15). وقد فصّلنا في هذا النوع من الجهل تحت مفهوم الأمية الأكاديمية بوصفها جهلًا مركبًا خفيًا على أصحابه وعلى الأسرة الأكاديمية. فالأستاذ الجامعي الذي يجهل حدود اختصاصه العلمي، ويكتفي بالحركة ضمن مجاله الضيق، بعيدًا عن أي أفق ثقافي أو أخلاقي، يوصف بالجهالة الأكاديمية، وهي المفهوم الذي يوازي الأمية الأكاديمية.

لقد أوضحنا أن الجهل البسيط يشكل الحالة الطبيعية للتكوينات الذهنية عند الإنسان، والإنسان في الحالة الطبيعية الأولى لا يمتلك معرفة، ومثل هذه المعرفة مرهونة بفعاليات تربوية عديدة، والمعرفة لا تُمتلك إلا جزئيًا، وليس غريبًا إذا قلنا إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. وهذا يعني أن الانتقال من حالة الجهل الطبيعي البسيط إلى حالة المعرفة يرتهن بالشروط الإنسانية التربوية التي تساعد الإنسان على امتلاك المعرفة، وهي معرفة جزئية نسبية في جوهرها، ومثل هذه المعرفة لا تكون معرفة حقيقية إلا إذا كانت معرفة مرنة نسبية حية. ولكن هذه المعرفة ستتحول بالضرورة إلى معرفة ميتة مشروخة إذا ما انغلقت ضمن دوائر التصلب والجمود الدوغماتي. وهذا التصلب لا يقف عند حدود المعرفة بوصفها موضوعًا لاشتغال العقل، بل يتعدى ذلك إلى العقل نفسه، أي عندما تتصلب المعرفة وتجمد، فإنها تؤدي إلى جمود العقل وتصلبه أيضًا، أو تدميره كليًا. 

وهذا يحدث عندما تتحول المعرفة إلى معرفة دوغماتية أو معرفة مقدسة، فالقداسة تركيب كيميائي عجيب يؤدي بسرعة فائقة إلى جمود المعرفة وتصلبها، ومن ثم إلى جمود العقل وتصلبه، وتلك هي الحالة التي يموت فيها العقل والمعرفة في آن واحد. وعلى هذا المنوال، عندما ينغلق الأستاذ الجامعي أو الأكاديمي على نفسه ومعتقداته الفكرية، ويطمئن إلى معلومات مرفوعة إلى مرتبة القداسة، يتحول هو نفسه إلى جاهل أكاديمي متصلب ودوغماتي، وجهله في هذه الحالة هو نوع من الجهل المركب المقدس. 

وبعبارة أخرى يسوقها جاد الكريم الجباعي على لسان نيتشه قائلًا(16): "إذا ما انغلقت المعرفة على نفسها، واطمأنت إلى منجزاتها وحقائقها، أو يقينياتها، وتجاوزها الزمن، تتحول إلى معرفة جاهلة"، أي إلى نوع من معرفة ديونيسية، نسبة إلى ديونيسيوس إله الخمر عند الإغريق(17). ويعقّب الجباعي بأن هذه المعرفة المتحجرة الميتة هي معرفة ناجمة عن جهل؛ إذ يكون الجهل في هذه الحالة منتجًا لمعرفة جاهلة، والمعرفة الجاهلة هي "معرفة الإنسان المغترب عن نفسه وعن عالمه، الإنسان القابع على هامش العصر وعلى هامش التاريخ، والذي يشله الخوف، وينتظر الخلاص"(18). وهذا يأخذنا من جديد للحديث عن المعرفة الحية، النقيض الكلي للمعرفة الميتة، وعن العلم الحي مقابل العلم الميت؛ "وعلى هذا النحو لا يكون العلم الحي حدًا على الجهل وقيدًا لأوهامه فقط، بل حدًا على الحقيقة المطلقة والعقل الكلي أو الروح المطلق"(19).

6- خاتمة

يتبين لنا في ضوء ما تقدم أن المشكلة الكبرى في الجهل لا تكمن في أن الإنسان لا يعرف، بل في أن يجهل أنه لا يعرف، وأن يطمئن إلى جهله حتى يتخذه معرفة، ثم يرفعه من مرتبة المعرفة الموهومة إلى مرتبة الحقيقة المقدسة. ففي الجهل البسيط تظل أبواب المعرفة مفتوحة؛ لأن صاحبه يستطيع أن يسأل ويتعلم ويصحح، أما في الجهل المركب فإن السؤال نفسه يبدأ بالاختفاء؛ لأن الجاهل يتوهم امتلاك الحقيقة. فإذا أُضيفت إلى هذا الوهم سلطة اليقين والقداسة، أصبحنا أمام أخطر صور الجهل: الجهل المقدس.

فالقداسة هنا لا تعني بالضرورة معناها الديني، وإنما تشير إلى كل معرفة تُحصَّن ضد النقد، وكل فكرة تُرفع فوق المراجعة، وكل يقين يمنع العقل من مساءلة نفسه. وعندما تبلغ المعرفة هذه الدرجة من الانغلاق، تنقلب على وظيفتها الأصلية؛ فبدل أن تكون طريقًا إلى التحرر من الجهل، تصبح وسيلة لإنتاجه، وبدل أن توسّع آفاق العقل، تضيّقها، وبدل أن تحرر الإنسان من أوهامه، تمنحه أسبابًا جديدة للتمسك بها.

وتصبح المفارقة أشد خطورة في الوسط الأكاديمي؛ لأن الجهل حين يرتدي لباس العلم لا يعود سهل الاكتشاف. فالموقع الجامعي، واللقب العلمي، وكثرة المؤلفات والشهادات، لا تشكل في ذاتها حصانة ضد الجهل المركب، إذا فقد العقل قدرته على الشك والسؤال ومراجعة مسلّماته. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للعالم لا تتحدد فقط بمقدار ما يعرف، وإنما أيضًا بمقدار وعيه بحدود ما يعرف، وبقدرته الدائمة على الاعتراف بأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد، أو مذهب، أو مؤسسة.

إن المعرفة الحية هي معرفة قلقة بالمعنى الإيجابي للكلمة: تسأل نفسها، وتختبر مسلّماتها، وتقبل التصحيح، وتدرك نسبيتها وحدودها. أما المعرفة التي تتجمد في يقينياتها، فإنها تبدأ منذ تلك اللحظة بفقدان صفتها المعرفية، وقد تنتهي إلى ما سمّيناه في هذه المقالة "المعرفة الجاهلة"؛ معرفة تمتلك أجوبة كثيرة، لكنها فقدت القدرة على طرح الأسئلة.

وهكذا، فإن المعركة الحقيقية ضد الجهل لا تبدأ بمجرد مراكمة المعلومات، وإنما بتكوين عقل نقدي يعرف حدود معرفته، ويتواضع أمام اتساع المجهول، ويظل مستعدًا لأن يراجع نفسه كلما ظهرت حقيقة جديدة. فالعالم لا يتميز عن الجاهل بأنه يعرف كل شيء؛ فهذا مستحيل، وإنما يتميز عنه بأنه يعرف أن معرفته محدودة وقابلة للمراجعة.

فالجهل البسيط يقول: لا أعرف، والجهل المركب يقول: أعرف، وهو لا يعرف، أما الجهل المقدس فيقول: أعرف، وما أعرفه حقيقة لا يجوز لأحد أن يسأل عنها. وبين "لا أعرف" و"لا يجوز أن تسأل" تمتد المسافة كلها بين تواضع العقل واستبداد الجهل.

* جامعة الكويت

.........................................

مراجع المقالة

1- عبد الواحد المكني، دكتاتورية الجهل، الأوان، 7/5/2011.

2- عبد الله بن محمد السعوي، الجهل المقنّع: رؤية من الداخل، الجزيرة، العدد 12631، 29/7/2004.

3- إخوان الصفا، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا*، مجلد 1، ط 3، بيروت: دار صادر، 2011، ص 263.

4- محمد جمال صقر، من تغريدات الخليل بن أحمد الفراهيدي، مجمع اللغة العربية، 2/6/2015.

5- هشام محمد سعيد قربان، هل جهلنا بسيط أم مركب؟ الألوكة، 8/4/2013.

6- توفيق الحكيم، حمار الحكيم، ط 2، القاهرة: دار الشروق، 2007، ص 111.

7- أبو المعالي الجويني، الورقات في أصول الفقه، ط 7، الرياض: دار المسلم، 2003.

8- نصر محمد عارف، الجهل البسيط والجهل المركب، 28/6/2021.

9- محمد بودهان، الدارجة بين الجهل المقدس ودعاوى الأكاديميين، هسبرس، الجمعة 9 نوفمبر 2018.

10- فريدريك نيتشه، العلم المرح، ترجمة وتقديم حسان بورقية ومحمد الناجي، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1993، ص 12.

11- جاد الكريم الجباعي، المعرفة الجاهلة والجهل العالِم، مؤمنون بلا حدود، 27 سبتمبر 2018.

....................................

هوامش المقالة

[1] عبد الواحد المكني، دكتاتورية الجهل، الأوان، 7/5/2011.

[2] عبد الله بن محمد السعوي، الجهل المقنّع: رؤية من الداخل، الجزيرة، العدد 12631، 29/7/2004.

[3] عبد الله بن محمد السعوي، الجهل المقنّع: رؤية من الداخل، المرجع السابق.

[4] إخوان الصفا، *رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا*، مجلد 1، ط 3، بيروت: دار صادر، 2011، ص 263.

[5] الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (100 هـ - 170 هـ / 718م - 786م)، واسمه الكامل الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، وكنيته أبو عبد الرحمن، شاعر ونحوي عربي بصري، يُعد علمًا بارزًا وإمامًا من أئمة اللغة والأدب العربيين، وهو واضع علم العروض، وقد درس الموسيقى والإيقاع في الشعر العربي ليتمكن من ضبط أوزانه.

[6] محمد جمال صقر، من تغريدات الخليل بن أحمد الفراهيدي، مجمع اللغة العربية، 2/6/2015.

[7] يوسف محمد عبد الوهاب السباعي (17 يونيو 1917 - 18 فبراير 1978)، أديب وروائي ووزير الثقافة في عهد السادات.

[8] هشام محمد سعيد قربان، هل جهلنا بسيط أم مركب؟ الألوكة، 8/4/2013.

[9] توفيق الحكيم (1315 هـ / 9 أكتوبر 1898 - 26 يوليو 1987)، ولد في الإسكندرية وتوفي في القاهرة، وهو كاتب وأديب مصري، من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية ومن الأسماء البارزة في تاريخ الأدب العربي.

[10] توفيق الحكيم، حمار الحكيم، ط 2، القاهرة: دار الشروق، 2007، ص 111.

[11] أبو المعالي الجويني، الملقب بـ"إمام الحرمين" (419 - 478 هـ)، هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيُّويه الجويني، نسبة إلى جوين من قرى نيسابور، فقيه شافعي وأحد أبرز علماء الدين والأشاعرة خاصة.

[12] أبو المعالي الجويني، الورقات في أصول الفقه، ط 7، الرياض: دار المسلم، 2003.

[13] نصر محمد عارف، الجهل البسيط والجهل المركب، 28/6/2021.

[14] نصر محمد عارف، الجهل البسيط والجهل المركب، المرجع السابق.

[15] محمد بودهان، الدارجة بين الجهل المقدس ودعاوى الأكاديميين، هسبرس، الجمعة 9 نوفمبر 2018.

[16] فريدريك نيتشه، العلم المرح، ترجمة وتقديم حسان بورقية ومحمد الناجي، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1993، ص 12.

[17] جاد الكريم الجباعي، المعرفة الجاهلة والجهل العالِم، مؤمنون بلا حدود، 27 سبتمبر 2018.

[18] جاد الكريم الجباعي، المعرفة الجاهلة والجهل العالِم، المرجع السابق.

[19] جاد الكريم الجباعي، المعرفة الجاهلة والجهل العالِم، المرجع السابق.

ذات صلة

خطوات الحكومة لتعزيز السيادة.. بين حصر السلاح وتفكيك الفصائلمسار بولونيا في العراق: حين تسبق اللوائح واقع الجامعاتالاقتصاد العاطفي للأبوة.. لماذا أصبح الأبناء مشاريع استثمار؟الشرق والغرب: من صدام الحضارات إلى وحدة المراكمة الحضاريةأَنَّى لَكِ هَذَا