التفكيكية وهم المعنى باللغة

علي محمد اليوسف

2026-08-25 01:13

في الفلسفة التفكيكية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، أو القراءات التأويلية الاختلافية المتعددة للنص، نجد أنه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية والفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات. إن انزياح واستبعاد النص الأصل يكون من خلال القراءة أو القراءات التفكيكية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الهامش في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي للهوامش، الذي يصبح فيه أصل النص ميتًا أو ملغى بعد موت المؤلف - النص حسب مقولة رولان بارت.

والأهم رجوعنا في لمحة سريعة إلى البنيوية التي اعتمدت اللغة مرجعية قارة تحت شعار (لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا العبثية في اللغة وفي إعدام النص وحدة النص فأوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي وأصبحت التفكيكية اليوم محل إدانة وتندر لدى أغلب علماء وفلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة أميركان معاصرين غيره.

فقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية فلسفتها على منطلقاتها التي جاء بها شتراوس وآخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الأدبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للأدب، أي في اعتبار الأدب أدبًا صرفًا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسًا تعبيريًا مستقلًا مفارقًا لنصوص الفلسفة والدين والأيديولوجيا وغيرها. إن من أكبر الأخطاء التي تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة فقط وسنوضح هذا لاحقًا.

وإلى هذا الحد من الممكن اعتبار البنيوية من خلال تعدد اهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص في مخاتلات اللغة على هوامش الاختلاف في ملاحقة باقي المعنى بالنص كما تفعل تفكيكية دريدا، البنيوية تعنى بالأنثروبولوجيا والإثنولوجيا (دراسة تاريخ الأقوام البدائية التي لا تمتلك تاريخًا مدونًا) تحديدًا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه، وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية والجنون لدى فوكو. 

فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي في مباحثها، البنيوية تيار تجديدي في مباحث الفلسفة له أنصار مررنا على أسمائهم قبل أسطر، على العكس من التفكيكية التي أرادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسير اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي كما يفاخر به دريدا، الذي أصبح التنّدر به على لسان غالبية علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة وصمة تلازمه.

ولنقرأ النص التالي من كتاب علي حرب نقد الحقيقة في مقاربته التفكيكية (إن كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه أو تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحًا وتفسيرًا، أو استنباطًا وتأويلًا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلًا (وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96 كتاب نقد الحقيقة.

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام المفكر علي حرب، أن فكرة أو محتوى أو مضمون النص، يعطينا ترجيحًا إلى أن جميعها أفكار أو مرموزات لغوية إشارية متعالقة بما يتعلّق بأصل شكلانية النص، وبعد إجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الأصل ولوجوده أيضًا كمرجعية ليست ثابتة، ولا يعد النص يمتلك حضورًا حقيقيًا بعد تعدد قراءاته المختلفة في تغييب مقصود لأصل النص في ترجيح اعتماد الهامش.

وبذا بدلًا أن يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الأصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بإعدام أصل النص تفكيكيًا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف أشكالها له، الذي تريد تفكيكية دريدا اغتيال أصل النص علانية كونه يحمل معان غير متاحة لقراءة أو عدة قراءات. 

وكيف يمكننا البرهنة أن التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة استحضار الغائب المضمر على حساب المعطى الماثل في أصل النص على أنها وسيلة وأسلوب الاختلاف في استحضار فائض المعنى الذي تدّخره (تدميريًا) القراءات التفكيكية في إعدام أصل اللغة قبل إعدامها أصل النص. (يلاحظ أن دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشه وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي الذي لا يقول شيئًا وليس بمستطاع دريدا أن يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه). لا توجد أية قناعة أو استدلال معرفي أو لغوي علمي أو فلسفي يقودنا التسليم إلى أن الرقص اللغوي المخاتل على ملاحقة معنى الهامش الهامش القرائي الاختلافي هي أكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الأصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بإعدامه وإلغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى.

وكيف لنا أن نعرف أن المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به أصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية افتراضية؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلّفه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات.

التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش في المواربة اللغوية الاختلافية مع أصل النص لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدًا شبحيا في الفكر الفلسفي. لا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تمامًا أية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا أنه حتى العقل لا يمثّل مرجعية، لأن هذه المرجعيات التي اعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية، طالما أعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما أن دريدا يرفض (المنهج) باعتبار أن التفكيك لا يحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك إلى ما لا نهاية له أو توقّف عنده. كما أن دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتد الأخذ به.

وإذا نحن سلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الأصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الأصل وغيّبته قسرًا نعتمد في الوصول إلى الحقيقة؟. ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في إشباع هوس التفكيك البلانهايات.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلًا الاستغناء عنها أو تغييبها، وأنه أيضًا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا أضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين أصبح موقع أصل النص بعد تناوب القراءات الإلغائية له وماذا بقي منه؟ وأين أوجه القصور والخطأ به؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لأنها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى أهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بأن رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب إلى إعدام أصل النص تفكيكًا اختلافيًا تداوليًا، فهو اكتفى بإلغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القارئ، وأوصى أن يكون حضور النص مرجعيًا استدلالية في تعدد واختلاف القراءات هو فقط دون غيره.، ولا شيء خارج النص.

إننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والأفكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به وإليه، ويتوجّب علينا أن ننطلق من أن كل قراءة أو عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بإمكانها ولا بمستطاعها إلغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع إلغائه مجازّيًا وليس حقيقيًا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الأصل أنها هي ما يمثّل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص أنها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول أصل النص وتستهدفه بالإلغاء؟ 

من جهة أخرى إننا سنضع أنفسنا بهذه الحالة أمام سلسلة لا تنتهي من الإلغاءات المتناوبة على استهداف أصل النص في إعدامه وإخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له. وهذا هو ما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.

ذات صلة

خطوات الحكومة لتعزيز السيادة.. بين حصر السلاح وتفكيك الفصائلمن الجهل المركب إلى الجهل المقدسمسار بولونيا في العراق: حين تسبق اللوائح واقع الجامعاتالاقتصاد العاطفي للأبوة.. لماذا أصبح الأبناء مشاريع استثمار؟الشرق والغرب: من صدام الحضارات إلى وحدة المراكمة الحضارية