تعظيم الموارد على حساب المواطن

جواد العطار

2026-08-17 02:47

كلما هبّت بوادر أزمة مالية، يكثر الحديث عن الاقتصاد العراقي أحادي الجانب الذي يعتمد على واردات النفط، وكلما عصفت أزمة اقتصادية بالعراق، يعود الحديث عن تعظيم موارد الدولة غير النفطية، فتصدر القرارات وتوضع الخطط القريبة والبعيدة المدى لتنفيذها. فهل تعظيم موارد الدولة مرتبط بالأزمات فقط؟ وهل المواطن هو ضحية هذا التعظيم المنشود؟ أم إن هناك طرقًا أخرى يمكن من خلالها زيادة موارد الدولة؟

منذ عام 2003 أخذت الصراعات السياسية والانقسامات والمحاصصة والفساد وهدر المال العام والاحتلال والإرهاب والاقتتال الداخلي مساحة كبيرة من التفكير العام، حتى أصبح الاقتصاد في ذيل القائمة أمام أولويات الأمن والاستقرار والحفاظ على حياة المواطن والدفاع عن وجود وكيان الدولة.

ولم تكن هذه التحديات مبررًا لإهمال تطوير الاقتصاد في عالم لا يفهم غير لغة التجارة والمال والاستثمار. فغياب العمل على تطوير موارد الدولة، وإهمال الاستثمار في الزراعة والصناعة والسياحة باعتبارها من القطاعات القادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل لأبناء العراق، فضلًا عن العزوف عن الاستثمار في القوة البشرية والطبيعية والبنى التحتية الكبيرة، أو الاستفادة من واردات النفط المهولة في بناء اقتصاد منتج ومتنوع، كلها كانت عقبات طبعت الواقع الاقتصادي العراقي، حتى بقي هذا الملف على الرف ودون مستوى الطموح، في غفلة من الزمن يتحمل وزرها معظم من تصدى للقيادة وصنع القرار خلال الفترة الماضية.

وحتى ما نلاحظه اليوم من ارتفاع في واردات الهيئة العامة للكمارك مثلًا، التي بلغت 2.5 تريليون دينار عراقي في عام 2025، و310 مليارات دينار لصالح أمانة بغداد في العام نفسه وغيرها من الواردات، قد تخرج من جيب المواطن بطريقة أو بأخرى.

وتأتي الحقيقة التي تحتاج إلى توقف أمامها من تصريح المستشار مظهر محمد صالح في الثالث من تموز الماضي، من أن مجلس الوزراء أقر خطة لرفع الإيرادات غير النفطية في الموازنة العامة إلى 45 بالمئة خلال السنوات العشر المقبلة.

وهنا يبرز السؤال: من أين ستتعاظم هذه الموارد؟ هل من القطاعات الاقتصادية المدرة للدخل؟ أم من تنشيط الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتقليل الهدر بالمال العام؟ أم من جيب المواطن البسيط والموظف الذي تتآكل قيمة راتبه مع زيادة الكلف المعيشية والتضخم، وفرض الرسوم والضرائب والمكوس بمناسبة وغير مناسبة وبشكل غير مدروس؟

إن تعظيم الموارد هدف مطلوب ومنشود للمواطن قبل الساسة؛ لأنه يضمن مستقبلًا أفضل للبلاد والأجيال القادمة، وهو ضرورة لبناء اقتصاد قوي وتقليل الاعتماد على النفط، لكن الطريق إلى ذلك يجب أن يكون من خلال تنمية القطاعات المنتجة واستثمار إمكانات العراق الكبيرة، وليس بتحميل المواطن أعباء جديدة تثقل كاهله وتزيد من معاناته.

وهذا سؤال مهم نضعه أمام صناع القرار، بمناسبة تقديم مسودة البرنامج الحكومي للبرلمان يوم الأربعاء الماضي، ومناقشة مسودة قانون القيمة المضافة خلال الأيام القادمة، ونذكّر بأن تعظيم موارد الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة لزيادة الأعباء على المواطن.

ذات صلة

أساسيات صناعة المستقبل الضامنالفساد في العراق بعد عشرين عامًا؟الحق في تأديب الصغار في ميزان الاعتدالماذا تفعل المؤسسات بأفكار موظفيها؟واشنطن وطهران في حرب الاستنزاف الاقتصادي.. من يستسلم أولًا؟