التفكيكية في اللغة والنص استراتيجية زائفة
علي محمد اليوسف
2026-08-16 04:48
في الفلسفة التفكيكية لصاحبها جاك دريدا اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، أو القراءات التأويلية الاختلافية المتعددة للنص عند بول ريكور، نجد أنه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية والفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات.
إن انزياح واستبعاد النص الأصل يكون من خلال القراءة أو القراءات التفكيكية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الهامش في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي، الذي يصبح فيه أصل النص ميتًا أو ملغى بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت.
والأهم رجوعنا في لمحة سريعة إلى البنيوية التي اعتمدت اللغة مرجعية قارة تحت شعار (لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا عبثية اللامعنى في اللغة وفي إعدام النص الأصل فأوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي وأصبحت التفكيكية اليوم محل إدانة وتندر لدى أغلب علماء وفلاسفة اللغة يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة أميركان معاصرين غيره يتقدمهم سيلارز.
فقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها التي جاء بها شتراوس وآخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم وجوب توظيف النص الأدبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون الروس ضرورة ووجوب اعتماد الشكل الجمالي للأدب، أي في اعتبار الأدب أدبًا صرفًا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسًا تعبيريًا مستقلًا مفارقًا لنصوص الفلسفة والدين والأيديولوجيا وغيرها. إن من أكبر الأخطاء التي أرادت تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة فقط وسنوضح هذا لاحقًا.
وإلى هذا الحد من الممكن اعتبار البنيوية من خلال تعدد اهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص على مخاتلات اللغة في تأكيدها هوامش الاختلاف كما تفعل تفكيكية دريدا، إن البنيوية تعنى بالأنثروبولوجيا والإثنولوجيا تحديدًا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه، وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية والجنون لدى فوكو.
فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي التي انشغلت وأشغلت الفلاسفة بمركزية اللغة بما هي نسق لغوي يحتوي غيره ولا يستطيع غيره احتوائه، البنيوية تيار تجديدي في مباحث الفلسفة له أنصار مررنا على اسمائهم قبل أسطر، على العكس من التفكيكية التي أرادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسير اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي كما يفاخر به دريدا، الذي أصبح التنّدر به على لسان غالبية علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة.
ولنقرأ النص التالي من كتاب المفكر علي حرب نقد الحقيقة في مقاربته التفكيكية (إن كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه أو تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحًا وتفسيرًا، أو استنباطًا وتأويلًا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلًا (ويحمل معنى ما لم تكتشفه تعدد القراءات السابقة للنص، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96.
أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام الأستاذ حرب، أن فكرة أو محتوى أو مضمون النص، يعطينا ترجيحًا أن جميعها أفكار أو مرموزات لغوية إشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل شكلانية النص المولود لأول مرة، وبعد إجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الأصل ولوجوده أيضًا كمرجعية ليست ثابتة طالما قراءات الهوامش تشغل المتلقي بالهدم والإرجاء فقط، ولا يعد النص يمتلك حضورًا حقيقيًا بعد تعدد قراءاته المختلفة في تغييب مقصود لأصل النص في ترجيح اعتماد متوالية الهوامش.
وبذا بدلًا أن يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الأصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بإعدام أصل النص تفكيكيًا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف أشكالها له، الذي تريده تفكيكية دريدا اغتيال أصل النص علانية كونه يحمل معانٍ مضمرة لغويًا غير متاحة لقراءة أو عدة قراءات أن تنتهي منها.
وكيف يمكننا البرهنة أن التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة استحضار الغائب المضمر على حساب المعطى الماثل في أصل النص على أنها وسيلة وأسلوب الاختلاف في استحضار فائض المعنى الذي تدّخره (تدميريًا) القراءات التفكيكية في إعدام أصل لغة النص قبل إعدامها أصل النص. (يلاحظ أن دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشة وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي الذي لا يقول شيئًا وليس بمستطاع دريدا أن يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه في ما أطلق (استراتيجية) التقويض بما لا نهاية له.
لا توجد أية قناعة أو استدلال معرفي أو لغوي علمي أو فلسفي يقودنا التسليم إلى أن الرقص اللغوي المخاتل على الهامش القرائي الاختلافي هي أكثر مقبولية وحكمة وصوابية من محتوى النص الأصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بإعدام أصل النص وإلغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى.
وكيف لنا أن نعرف أن المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به أصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية افتراضية؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفّه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات. حتمًا قراءات الهوامش تجهد نفسها لتقول جديدًا لذا من غير المنطقي اعتبارها زوائد ملتصقة بأصل النص لكن لا قيمة لها. برأيي أن كل قراءة جديدة لأصل النص ليست هامشًا تعقيبيًا لا قيمة له بل هو نص جديد انبثق من رحم النص الأصل. إلغاء الهوامش خطأ فادح لأنك بهذا تكون ألغيت نصًا جديدًا ستلاحقه هوامش نقدية وقراءات جديدة.
التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش في المواربة اللغوية الاختلافية مع أصل النص لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدًا شبحياً في الفكر الفلسفي. لا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تمامًا أية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا أنه حتى العقل لا يمثّل مرجعية، لأن هذه المرجعيات التي اعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية، طالما اعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما أن دريدا يرفض (المنهج) باعتبار أن التفكيك لا يحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء ثابت أو في حالة من الصيرورة، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك إلى ما لا نهاية له أو توقّف عنده. كما أن دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيًا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتّد الأخذ به لدى دريدا.
وإذا نحن سلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الأصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الأصل وغيّبته قسرًا نعتمد في الوصول إلى الحقيقة؟. ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في إشباع هوس التفكيك في تدمير اللغة ذاتها.
نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلًا الاستغناء عنها أو تغييبها، وأنه أيضًا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا أضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين أصبح موقع أصل النص بعد تناوب القراءات الإلغائية له وماذا بقي منه؟ وأين أوجه القصور والخطأ به؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لأنها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى أهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص. قد نتقبل مقولة رولان بارت موت المؤلف لكن من العبث أن نتقبل موت النص كما ترغبه تفكيكية دريدا.
من المهم التذكير بأن رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب إلى إعدام أصل النص تفكيكًا اختلافيا تداوليًا، فهو اكتفى بإلغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القارئ، وأوصى أن يكون حضور النص مرجعيًا استدلالية في تعدد واختلاف القراءات هو فقط دون غيره، ولا شيء خارج النص.
إننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والأفكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به وإليه، ويتوجّب علينا أن ننطلق من أن كل قراءة أو عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بإمكانها ولا بمستطاعها إلغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع إلغائه مجازّيًا وليس حقيقيًا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الأصل أنها هي ما يمثّل الحقيقة المطلوبة في حالة من الصيرورة الزائلة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص أنها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول أصل النص وتستهدفه بالإلغاء أو الإضافة؟ من جهة أخرى أننا سنضع أنفسنا بهذه الحالة أمام سلسلة لا تنتهي من الإلغاءات المتناوبة على استهداف أصل النص في إعدامه وإخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له. وهذا هو ما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.