الذكاء الصناعي وصناعة الأجيال الغبية

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-08-05 05:30

يشهد العالم المعاصر طفرة غير مسبوقة في تقنيات الذكاء الصناعي، حيث باتت هذه الأدوات قادرة على إنتاج النصوص، وتحليل البيانات، وصياغة المقالات والبحوث في وقت وجيز، غير أن هذا التقدم، على الرغم من فوائده، يثير مخاوف جدية تتعلق باضمحلال ملكة التفكير النقدي والتحليلي لدى الأفراد إذا ما استُخدم كبديل كامل عن الجهد العقلي والبحثي.

 فالعقل أشبه بعضلة، يقوى بالتمرين ويضعف بالإهمال، وحاله مثل الذي يهجر الكتابة اليدوية ويعتمد على الآلة الحاسبة، مما يفقده تدريجيًا مهارة الخط الجميل، ويصبح خطه مشوهًا وغير متناسق. وكذلك من يترك التفكير والتحليل ويكتفي بما يقدمه الذكاء الصناعي، سيجد نفسه عاجزًا عن توليد الأفكار أو صياغة الحجج، وسيؤدي ذلك حتمًا إلى تعطيل القدرات الذهنية وإنتاج أجيال غير قادرة على التفكير النقدي أو التحليل المنطقي، ويمكن أن نطلق عليها "أجيالًا غبية".

وقد تجسدت هذه المخاوف في تجربة شخصية حين التقيت أحد الأصدقاء القدامى، وأعرف محدودية معرفته في العلوم الاقتصادية، فإذا به يعرض دراسة معمقة عن الوضع الاقتصادي في العراق، ويطرح النظريات الاقتصادية بثقة، وقد أعجبت بما ورد فيها من أفكار وهوامش لمصادر مهمة لاقتصاديين كبار على مستوى العالم، غير أن المفاجأة كانت حين أخبرني بأن هذه الدراسة كُتبت بواسطة الذكاء الصناعي، وأن دوره اقتصر على الاطلاع عليها ووضع اسمه عليها.

حاولت أن أستوضح منه مضمون الدراسة وتفاصيلها، فكان لا يعلم عنها إلا ما يقرأه منها مباشرة، ولم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة التي أثيرت حولها، لأنه لم يطلع على ما ورد فيها من معلومات ومعرفة من مصادرها أو يبحث عنها في الكتب والمراجع الأخرى، كما لم يُجهد فكره في التدريب على التفكير من خلال القراءة أو البحث في الكتب والرجوع إليها. وهذا ينذر بأن الاعتماد الكلي على الذكاء الصناعي يعطل أدوات البحث والتحصيل المعرفي، ويجعل صاحبه مجرد ناقل للنصوص دون امتلاك خزين معرفي أو قدرة على النقد والتحليل، أو حتى مناقشة ما ورد فيه.

لذلك، فإن أخطر ما قد ينجم عن هذا النمط من الاتكال هو ظهور أجيال مستهلكة للمعرفة دون قدرة على إنتاجها أو نقدها، عاجزة عن التمييز بين الصحيح والزائف أو بين الرصين والسطحي، وهو ما يهدد القيم المعرفية ويضعف البنية الفكرية للمجتمع. وبذلك تبرز ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية في الكتب والمراجع الموثوقة؛ لأن هذا الرجوع لا يثري النصوص فحسب، بل يغرس في القارئ والكاتب قيمة معرفية راسخة، ويمنحه القدرة على التمييز بين الرأي والاجتهاد وبين الحقيقة والافتراض.

أما الاكتفاء بما يكتبه الذكاء الصناعي، فإنه يفضي إلى نصوص سطحية تفتقر إلى العمق وتضعف الصلة بالتراث الفكري والبحثي.

لكن هذا لا يمنع أن يكون الذكاء الصناعي أداة مساعدة لا بديلًا كاملًا، فهو أشبه بالمكتبة أو الموسوعة التي يستعين بها الباحث، لكن لا يجوز أن تحل محل عملية التفكير نفسها. فالتيسير مطلوب، أما الاستبدال فسوف يؤدي إلى تعطيل العقل وإفقار القيم المعرفية. والخطر الكبير الذي يواجه البشرية ليس الذكاء الصناعي ذاته، بل غياب الوعي في التعامل معه. فإذا تحول إلى بديل عن التفكير والبحث والرجوع إلى المصادر الأصلية، سنشهد تراجعًا حضاريًا وفكريًا، أما إذا استُخدم بوعي وباعتباره وسيلة مساعدة، فسيكون داعمًا للإبداع لا هادمًا. ولا بد من التنويه إلى أني أيضًا أعتمد الذكاء الصناعي أحيانًا في البحث عن المصادر أو إعادة صياغة المنشور، مما ييسر لي الأمر ويختزل الوقت.

ومن الجدير بالذكر أن أحد الأميركيين، من الذين يعملون في مجال الفكر السياسي، وفي مقابلة تلفزيونية نُشرت على الإنترنت، كان قد أطلق على الذكاء الصناعي بأنه "المسيح الدجال" المبشر عنه في الروايات الدينية عند بعض الأديان، حيث يجعل عقولنا معطلة، وليس لنا إلا أن نأكل ونشرب ونستهلك حتى ينتهي العمر، ويصبح سلوك الإنسان سلوك الغائب عنه عقله، بل هو كالدواب أو أضل.

وأعتقد أن هذه واحدة من أهداف الغرب لتعطيل ملكة التفكير عند الجميع، حتى يسهل انقيادهم، ويبقى القليل من أصحاب هذه البرامج هم المسيطرون على مقدرات العالم ويتحكمون فيه.

* قاضٍ متقاعد


ذات صلة

التجريد والتحرير من سلطة الأوهام.. قراءة في وعي النهضة الحسينيةما بعد الأربعين: كيف تتحول القيم إلى مؤسسات؟الأربعين.. قضية تتجاوز الدسائسالتربية بالمشاهدة: المدرسة التي تمشي على طريق الاربعينأزمة مضيق هرمز.. من تسعير الحماية إلى الهيمنة الأميركية على نظام الملاحة العالمي