إصدار الأنظمة والتعليمات.. بين صلاحيات مجلس الوزراء ورئيسه
قراءة في ضوء القرار التفسيري للمحكمة الاتحادية العليا
القاضي سالم روضان الموسوي
2026-07-25 03:57
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها العدد 201/اتحادية/2026 في 12/7/2026، والذي فسرت فيه نص المادة (80/ثالثًا) من الدستور، وجاءت فيه الخلاصة الآتية: "وبما أن المادة (80/ثالثًا) نصت على اختصاص مجلس الوزراء بإصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين، فإن هذا الاختصاص يُعد دستوريًا مباشرًا يستند إلى الدستور ذاته ولا يتوقف على وجود نص في القانون يجيز ذلك. وما يرد في بعض القوانين من نصوص بهذا الشأن لا يعدو أن يكون تنظيمًا أو تأكيدًا لاختصاص دستوري قائم".
ومن خلال ما ورد في القرار أعلاه، ولأهميته والآثار التي يرتبها تجاه عمل مجلس الوزراء أو مهام وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، أعرض الآتي:
1. جاءت في حيثيات القرار عبارة مهمة جدًا ولا بد من الوقوف عندها، والتي وردت في السطر الأول من الصفحة (3) من القرار؛ لأنها وردت في قرار بات وملزم للسلطات كافة على وفق أحكام المادة (94) من الدستور، وهذه العبارة على وفق الآتي: "ذلك أن رئيس مجلس الوزراء هو أحد شقي السلطة التنفيذية الاتحادية استنادًا لأحكام المادة (66) من الدستور". وعند الرجوع إلى نص المادة أعلاه نجد أنها تتضمن الآتي: "تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، تمارس صلاحياتها وفقًا للدستور والقانون".
2. وبموجب النص أعلاه، فإن السلطة التنفيذية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وليس رئيس مجلس الوزراء، مثلما ورد في قرار المحكمة الاتحادية العليا الملمع عنه. وضرورة التنويه إلى ذلك تكمن في الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس مجلس الوزراء، والتي تختلف عن مهام وصلاحيات مجلس الوزراء، حيث إن مهام وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء وردت في المادة (76/ثانيًا) من الدستور التي جاء فيها: "يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا من تاريخ التكليف"، وكذلك في المادة (78) من الدستور التي جاء فيها: "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب". وهذه هي الصلاحيات التي وردت على سبيل الحصر في الدستور.
وفيما يتعلق بمجلس الوزراء، فإنه يتولى إدارة المجلس فقط، أما مجلس الوزراء فإنه يملك الصلاحيات الواسعة التي وردت في المادة (80) من الدستور التي جاء فيها: "يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية: 1- تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والخطط العامة والإشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة. 2- اقتراح مشروعات القوانين. 3- إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين. 4- إعداد مشروع الموازنة العامة والحساب الختامي وخطط التنمية. 5- التوصية إلى مجلس النواب بالموافقة على تعيين وكلاء الوزارات والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة، ورئيس أركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات الوطني، ورؤساء الأجهزة الأمنية. 6- التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوقيع عليها أو من يخوله".
وهذا يوضح الفرق الكبير بين كلا العنوانين، وحيث إن القرار التفسيري قد أشار إلى أن رئيس مجلس الوزراء هو الشق الثاني للسلطة التنفيذية، على خلاف النص الدستوري، لذلك اقتضى التنويه إليه لتداركه، لعل الطباعة للقرار التفسيري قد ورد فيها سهوًا.
3. أما عن تمتع مجلس الوزراء بصلاحية إصدار الأنظمة والتعليمات، سواء كان النص القانوني يشير إلى تفويض ذلك لمجلس الوزراء أو الوزير، حيث بررت المحكمة الموقرة قرارها بعدة أسانيد، وهو رأي وتوجيه ملزم للجميع ومحترم من الكافة.
لكن لوحظ أن مجلس الوزراء، وإن كان يملك الصلاحية على إصدار التعليمات والأنظمة مثلما ورد في التفسير انطلاقًا من سعة النص الدستوري الوارد في المادة (80/ثالثًا) من الدستور، إلا أن مجلس الوزراء مقيد بصلاحيات حددها قانونه النافذ الذي يعمل بموجبه، الذي جاء فيه بأن مجلس الوزراء يتولى "مهمة الإشراف على مشروعية التعليمات التي يصدرها الوزير المختص لتسهيل تنفيذ القوانين والأنظمة"، وعلى وفق ما ورد في المادة (4/رابعًا) من قانون مجلس الوزراء رقم 30 لسنة 1991 النافذ والمنشور في الملحق (أ) من الوقائع العراقية العدد 3568 في 17/6/1991.
وبموجب هذا النص الملزم والنافذ وغير المعطل بموجب قرار قضائي من المحكمة الاتحادية العليا، فإنه يبقى ملزمًا لمجلس الوزراء للتقيد به، حيث إن التعارض بينه وبين النص الدستوري لا يمكن لمجلس الوزراء أن يقرر عدم العمل به وتغليب النص الدستوري، وإنما لا بد من بيان ذلك إما بتشريع قانوني أو بموجب قرار من القضاء الدستوري.
ويعني ذلك أن مهمة مجلس الوزراء، في حال لم يتضمن النص القانوني تفويض إصدار التعليمات إليه، وإنما للوزير المختص، لا يمكنه إصدارها، وإنما الإشراف على مشروعيتها على وفق نص المادة القانونية أعلاه.
4. أما في حال ممارسة مجلس الوزراء لتلك الصلاحية، فإن التعليمات تصدر عن مجلس الوزراء وليس عن رئيس مجلس الوزراء؛ لأن نص المادة (80/ثالثًا) من الدستور يشير إلى أنها من صلاحيات مجلس الوزراء وليس رئيس مجلس الوزراء، وعلى وفق ما ورد في صدر المادة التي جاء فيها: "يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية".
الخلاصة: يتضح مما تقدم أن التفسير الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا قد رسخ مبدأ دستوريًا مهمًا جدًا، يتمثل بأن صلاحية إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات تعود إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، لا إلى رئيس مجلس الوزراء منفردًا، استنادًا إلى نص المادة (80/ثالثًا) من الدستور. غير أن هذا الاختصاص، وإن كان دستوريًا مباشرًا، يبقى مقيدًا بما ورد في قانون مجلس الوزراء النافذ رقم 30 لسنة 1991، الذي أسند مهمة الإشراف على مشروعية التعليمات إلى المجلس، دون أن يمنحه سلطة تجاوز النصوص القانونية القائمة.
ومن ثم فإن التوازن بين النص الدستوري والنص القانوني يقتضي أن يمارس مجلس الوزراء صلاحياته في إطار احترام التشريع النافذ، مع إفساح المجال للسلطة التشريعية أو القضاء الدستوري لتصويب أي تعارض قائم. وبذلك يظل التفريق بين صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وصلاحيات مجلس الوزراء أمرًا جوهريًا لضمان حسن تطبيق الدستور، وصيانة مبدأ المشروعية، وتحقيق الانسجام بين النصوص الدستورية والقانونية في النظام الدستوري العراقي.