ثقافة التجهيل!
حسب الله يحيى
2026-07-19 01:07
نعم.. ثقافة التجهيل؟ وهل يحتاج الجهل إلى ثقافة؟ إن ما فعلته السياسية الثقافية بعد 2003 لا يخرج عن هذا الإطار وهذا التوجه. إن انتشار الأمية وغياب التعليم الإلزامي، وهيمنة المدارس والكليات الأهلية، وانهيار منظومة التعليم والتربية، وسيادة الرشا واستسهال النجاح، والاعتماد على التلقين في كل المراحل الدراسية ونشر الثقافات والاعراف بكل اشكاله المختلفة، من دون حتى الإشارة إلى الجوانب النيرة في حقول المعرفة التي أكدت عليها الكثير من الجذور الفلسفية والعلمية الإبداعية في تراثنا النير؛ هو الذي أشاع الجهل ونشر الأمية بين الناس.
وبات الاتكاء على الدجل والرؤى الظلامية.. يأخذ قسطاً وافراً من الأهمية، حتى وجدنا أنفسنا أمام (معالجات طبية) بالأعشاب وغيره من الشعبي، بعيداً عن الطب ومنجزاته العلمية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وآفاقه.
ولم تعد الشهادات العليا موضوع ثقة علمية، بدليل أن هناك عدداً غير قليل من الخريجين، يخطئون في أبسط القضايا المطلوب توضيحها ونشرها. وبات (الأستاذ الجامعي) مهمشاً، لأن السلطة السياسية باتت تهيمن على إرادته وخطابه المعرفي.
انهيار المنظومة التربوية وضغوط التعليم
أما التعليم الابتدائي والثانوي، فقد وقع فيه المعلم تحت ضغوط عديدة وراتب ضئيل، ما جعل هذه الشريحة تعلّي صوتها في تظاهرات عارمة.. فيما تعمل الحكومة على توسيع رقعة المدارس الأهلية لأهداف ربحية وليست علمية ولا تربوية، ما أدى إلى تدهور العملية التربوية.. فلا مدارس تمارس دوراً يليق بالمعلم والطالب، ولا مناهج مستقرة يعتمدها المعلم، ولا وجود لاحترام الدرجة التي يمنحها المعلم لطلبتته باستحقاقاتهم.. ذلك أن وزارة التربية، تأمر بين فترة وأخرى باعتبار السنة الدراسية "سنة عدم رسوب"، ومن ثم فتح أكثر من فرصة للغشاشين! وبات فشل العراق على مستوى التربية والتعليم والدراسات الجامعية، من الدول (المتقدمة) في تدهورها وفشلها.
هذا الحال، انعكس على ظروف المواطن والمواطنة، وكان من جراء ذلك انتشار الجريمة والمخدرات وانهيار قيم المجتمع.. حتى أصبح الجهل هو السائد، تقريباً، في كل قطاعات الحياة.
وعندما ننتقل إلى وزارة تحمل اسماً جامعاً لثلاث وزارات (الثقافة، السياحة، الآثار) نتبين أن هناك تهميشاً واضحاً لها وكان من المفترض أن تكون من الأهمية بحيث توازي وزارتي الدفاع والداخلية، بوصفها وزارة تعنى بوعي الإنسان، ونظم الحياة، والارتقاء بوعي الإنسان.
ما يحدث في الواقع، مثير للاستياء وللقرف، فلا قانون يلزم بمنظومة أمنية وتربوية ومعرفية على الأصعدة كافة، ولا ثمة مؤسسات تؤسس لتثقيف الناس عن طريق السينما والمسرح والتشكيل والموسيقا والندوات والملتقيات الثقافية. نعم.. هناك مهرجانات للتباهي والمتعة والتسلية وهدر الأموال، وهناك دوائر لا يشغلها من (الثقافة) سوى حصر الدوام الرسمي والالتزام به، من دون أن يحاسبها أحد على منجز حققته أو مال سرقته!
إنّ الثقافة والتعليم والتربية.. كلها هوامش في (العملية السياسية الراهنة) وستظل عملية مكللة بالفشل، مصادرة للرأي، قمعية لكل فكر نيّر ولكل موقف سديد، مادام هناك من يروج ثقافة الجهل!