تحت اية ظروف يستطيع المسؤول نهب اموال الدولة؟
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-07-12 12:23
من منظور الفلسفة الحضارية، فإن القضية لا تتعلق فقط بفساد أفراد، بل بفساد البيئة المؤسسية التي جعلت هذا الفساد ممكناً. فليس المهم أن نسأل: كيف سرق هؤلاء؟ بل الأهم أن نسأل: كيف استطاعوا أن يسرقوا؟
إن قدرة عدد من النواب أو الوزراء أو كبار الموظفين على نهب أموال الدولة تدل على وجود خلل بنيوي في الدولة نفسها، لأن الموظف العام، مهما علا منصبه، لا يستطيع أن ينهب المال العام على نطاق واسع إذا كانت مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية.
فالنهب واسع النطاق لا يصبح ممكناً إلا إذا اجتمعت عدة ظروف، منها:
ضعف منظومة الرقابة والمحاسبة، أو إخضاعها للنفوذ السياسي.
غياب استقلال القضاء أو تأخره في ملاحقة الفاسدين.
وجود شبكات حماية سياسية أو حزبية تمنع المساءلة.
غياب الشفافية في العقود والإنفاق العام.
تحول الوظيفة العامة من خدمة للمجتمع إلى وسيلة للإثراء الشخصي.
انتشار ثقافة الإفلات من العقاب، بحيث يعتقد المسؤول أن احتمال محاسبته ضئيل جداً.
ضعف الإدارة المهنية، وسيطرة الولاءات الشخصية أو الحزبية على التعيينات.
والأخطر من ذلك أن الفساد الكبير لا يكون عملاً فردياً في الغالب، بل عملاً شبكياً. فالصفقات الكبرى تحتاج إلى سلسلة من المتواطئين: من يوافق، ومن يوقّع، ومن يصرف الأموال، ومن يغطي المخالفات، ومن يعطل التحقيق، ومن يوفر الحماية السياسية. ولذلك فإن اعتقال شخص واحد قد يكشف عن رأس الجبل الجليدي، لكنه لا يكشف بالضرورة عن الجبل كله.
ومن هنا فإن حملة الاعتقالات، مهما كانت واسعة، لا تكفي وحدها للقضاء على الفساد إذا بقيت البيئة التي أنتجته كما هي. فإذا ظل النظام الإداري والسياسي والقانوني قادراً على إنتاج فاسدين جدد، فإن استبدال أشخاص بآخرين لن يغير النتيجة إلا مؤقتاً.
ولهذا فإن الفلسفة الحضارية تنظر إلى مكافحة الفساد بوصفها مشروعاً لإعادة بناء الدولة على اسس حضارية حديثة، لا مجرد مشروع لمعاقبة اللصوص. فالدولة الحضارية الحديثة تقوم على مؤسسات أقوى من الأشخاص، وعلى قواعد تمنع الفساد قبل أن تعاقب عليه، لأن نجاح الدولة لا يقاس بعدد الفاسدين الذين تعتقلهم، بل بمدى قدرتها على جعل الفساد مستحيلاً أو بالغ الصعوبة.
ولهذا يمكن القول إن أخطر ما تكشفه حملات الاعتقال ليس حجم الأموال المنهوبة، وإنما حجم الثغرات المؤسسية التي سمحت بهذا النهب. فحين يستطيع مسؤول أن يختلس مليارات الدنانير أو يسيطر على عقود ضخمة سنوات طويلة من دون أن يُكتشف، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا سرق؟ بل: أين كانت الدولة طوال تلك السنوات؟ وكيف أصبحت مؤسساتها عاجزة عن حماية المال العام؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون منطلق أي إصلاح حقيقي، لأنها تنقل النقاش من إدانة الأشخاص إلى إصلاح النظام الذي أتاح لهم أن يفعلوا ما فعلوه.