قلق القصيدة بين قاسم حداد ولويس أراغون
ابراهيم أبو عواد
2026-07-09 04:33
تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا من يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعر الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات، بل لأنه يسكنه السؤال، ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلق القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن واحد، حيث تتصارع اللغة مع المعنى، والذات مع العالَم، والحُلْم مع الواقع.
في هذا السياق، تتجلى تجربة الشاعر البحريني قاسم حداد، وُلد عام 1948، والشاعر الفرنسي لويس أراغون، 1897-1982، بوصفهما نموذجَيْن بارزَيْن لقلق الكتابة الشعرية، وإن اختلفت منابعهما الثقافية والفكرية والجَمالية.
آمن قاسم حداد بأنَّ القصيدة ليست شكلًا لغويًّا مغلقًا، وإنما كائن حيّ يتجدد مع كُلِّ قراءة، ويعيد اكتشاف نفسه مع كُلِّ تجربة إنسانية. لذلك جاءت قصيدته متمردةً على القوالب الجاهزة، ورافضةً الاستسلام للمألوف، ومنفتحةً على الأسطورة والفلسفة والفنون البصرية. فالقصيدة عنده ليست وصفًا للعالَم، وإنما محاولة لإعادة صياغته؛ لذلك تبدو لغته مشحونة بالتوتر والرمزية والانزياح، وكأن الكلمات تبحث عن معناها وهي تُكتَب. وهذا القلق هو أساس تجربته الشعرية، والشاعر يدرك أن الحقيقة أكبر من أن تُقال دفعة واحدة، وأن اللغة الشعرية مهما اتَّسعت ستظلُّ عاجزة عن احتواء الوجود كُلِّه.
ولا ينفصل هذا القلق عند قاسم حداد عن هاجس الحرية؛ فالحرية لديه ليست شعارًا سياسيًّا فَحَسْب، وإنما ممارسة جَمالية أيضًا. فهو يُحرِّر القصيدة من سلطان الوزن التقليدي حين يقتضي الأمر، ويُحرِّر الصورة من العلاقات المألوفة، ويمنح الكلمة حقها في أن تتجاوز معناها القاموسي إلى آفاق أكثر رحابة. لذلك تبدو قصائده وكأنها رحلة دائمة نحو المجهول، حيث لا نهاية للبحث، ولا اكتمال للمعنى.
أمَّا لويس أراغون، فقد عاش قلقًا من نوع آخر، وإن كان يلتقي مع قاسم حداد في الجوهر الإبداعي. فقد شهد أراغون تحولات القرن العشرين الكبرى، من الحروب العالمية إلى الثورات الفكرية والسياسية، وكان شاهدًا على انهيار كثير من اليقينيات التي بنت عليها أوروبا الحديثة تصوُّرها للإنسان والعالَم. لذلك جاءت قصيدته مُحمَّلة بأسئلة الهُوية والحرية والحب والوطن، وجعل من الشعر وسيلة لمقاومة القُبح والعنف والنسيان.
بدأ أراغون متأثرًا بالحركة السريالية التي دعت إلى تحرير المُخيِّلة من قيود العقل، لكنه سُرعان ما اكتشف أن الشعر لا يكتفي بالهروب إلى الأحلام، بل ينبغي أن يواجه الواقع أيضًا. وهنا نشأ قلقه الفني؛ إذ وجد نفسه مُوزَّعًا بين الوفاء للجَمال والالتزام بقضايا الإنسان. ولم يكن هذا التوتر عائقًا أمام تجربته، بل أصبح مصدر ثرائها، فاستطاع أن يصنع لغةً تجمع بين الرهافة العاطفية والعمق الفكري، وبين الموسيقى الشعرية والرسالة الإنسانية.
ويبلغ قلق القصيدة عند أراغون ذروته في تجربته مع الحب، لا سِيَّما في قصائده التي كتبها لزوجته إلسا، حيث يتحول الحب إلى وطن، والوطن إلى قصيدة، والقصيدة إلى فعل مقاومة. الحب عنده ليس انفعالًا فرديًّا معزولًا، وإنما طاقة روحية تواجه الخراب، وتمنح الإنسان القدرة على الاستمرار. ومن هنا تتجاوز قصيدته حدود الذات لتصبح خطابًا إنسانيًّا عامًّا.
عند المقارنة بين قاسم حداد ولويس أراغون، نجد أنهما يريان القصيدة مشروعًا مفتوحًا لا ينتهي. فالقصيدة ليست نصًّا مكتفيًا بنفسه، وإنما مغامرة مستمرة في اكتشاف الإنسان والعالَم. غير أن اختلاف المرجعيات الثقافية أضفى على تجربة كلٍّ منهما خصوصيتها. قاسم حداد يستمد كثيرًا من صوره من التراث العربي، والأسطورة الشرقية، والبيئة الخليجية، بينما يستند أراغون إلى الإرث الأوروبي، والفكر الفلسفي الحديث، وتجارب المقاومة الفرنسية. ومع ذلك، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر فعل حرية، وأن اللغة لا تكتسب قيمتها إلا بقدرتها على تجاوز المألوف.
كما يتجلى الفرق بينهما في طبيعة العلاقة مع الواقع. لويس أراغون يميل إلى جعل القصيدة شاهدة على الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية، بينما ينزع قاسم حداد إلى تعميق التجربة الداخلية، والبحث عن الأبعاد الوجودية للإنسان. غير أن هذا الاختلاف لا يلغي وحدة الرؤية، فكلاهما يجعل من الشعر وسيلة لاكتشاف الحقيقة، وليس تقديمها في صورة جاهزة.
إنَّ قلق القصيدة عند الشاعرَيْن ليس قلقًا نفسيًّا عابرًا، بل هو وعي عميق بأن الشعر الحقيقي يُولَد من الصراع بين الممكن والمستحيل، وبين ما تستطيع اللغة أن تقوله وما تعجز عنه. ولهذا تبدو القصيدة عندهما مساحةً للأسئلة أكثر منها مستودعًا للأجوبة، ومنبرًا للبحث أكثر منها إعلانًا لليقين. وكل قصيدة جديدة تعني بداية رحلة جديدة، وكل كلمة تفتح بابًا إلى كلمات أخرى، وكأن الشعر وجود لا يختفي، وحياة لا تزول.
وإذا كان كل شاعر قد سلك طريقًا مختلفًا في التعبير، فإنهما التقيا عند حقيقة واحدة، وهي أن القصيدة لا تبلغ عظمتها إلا حين تظل قلقة، وباحثة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي؛ لأن اكتمال القصيدة هو بداية موتها، أما قلقها فهو سر خلودها.