هل تكفي إرادةُ الإصلاح لتنتصر على دولةِ الفساد؟

علي إسحاق

2026-07-07 04:17

ليست الدولُ الفقيرة وحدها من تعاني، بل قد تكون أكثر الدول ثراءً هي الأكثر وجعًا إذا تحوّلت الثروة فيها إلى امتيازٍ لفئة، لا إلى حقٍّ للجميع. فالأوطان لا تُقاس بما تختزنه أرضها من نفطٍ ومعادن، وإنما بما تمنحه لمواطنيها من عدالة، وما تبنيه من ثقة بين الدولة والناس، وما تفرضه من مساواة أمام القانون.

وحين ينهض الحديث عن مكافحة الفساد في العراق، فإن القضية تتجاوز كونها برنامجًا حكوميًا أو ملفًا إداريًا؛ إنها امتحان تاريخي لهيبة الدولة، واختبار أخلاقي لمدى قدرتها على استعادة العقد الذي انكسر بينها وبين المواطن طوال سنوات طويلة. فالعراقي الذي ينتظر مدرسةً أفضل، أو مستشفى يليق بكرامته، أو فرصة عمل تحفظ مستقبله، لا يبحث عن شعارات جديدة، وإنما عن دليلٍ واحد يثبت أن القانون أصبح أقوى من النفوذ، وأن المال العام عاد أمانة لا غنيمة.

ولعل هذا المعنى هو ما عبّر عنه القرآن الكريم حين جعل العدل أساس العمران قبل أي شيء آخر، فقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾

(النحل: 90).

فالعدل في الرؤية القرآنية ليس قيمةً أخلاقية مجردة، بل هو النظام الذي يحفظ المجتمع من الانهيار، ويمنح الإنسان الشعور بأن جهده وحقوقه ومستقبله محمية بسلطان القانون لا بسلطان الأشخاص.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة الحق في مواجهة السلطة الظالمة من أعظم صور الجهاد، فقال:

«أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سلطانٍ جائر.»

(رواه أبو داود والترمذي).

إن هذه النصوص لا تتحدث عن الماضي فحسب، وإنما ترسم معيارًا دائمًا للحكم الرشيد؛ فكل سلطة تُقاس بقدرتها على حماية العدالة قبل قدرتها على إدارة الموارد.

ومن هنا يمكن فهم حجم الترقب الشعبي الذي رافق الإجراءات الحكومية الأخيرة الهادفة إلى ملاحقة ملفات الفساد ومحاسبة المتورطين فيها. فقد استقبلها كثير من العراقيين بوصفها فرصة قد تعيد للدولة جزءًا من هيبتها، وتعيد للمواطن شيئًا من ثقته التي تآكلت بفعل تراكم الإخفاقات. لكن التفاؤل وحده لا يصنع التحول.

 فالفساد في العراق لم يعد مجرد مخالفات فردية، بل أصبح عبر سنوات طويلة شبكةً معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، تشكلت حولها مراكز قوة تمتلك القدرة على المقاومة والمناورة وإعادة إنتاج نفسها كلما شعرت بالخطر. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية لا تبدأ بإعلان الحرب على الفساد، وإنما تبدأ حين تصل المحاسبة إلى من كان يُعتقد أنه فوق المساءلة. وهنا يظهر السؤال الذي يتردد في الشارع العراقي اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل تستطيع الدولة أن تستكمل هذه المعركة حتى نهايتها، أم أن شبكات النفوذ ستنجح مرة أخرى في احتواء مشروع الإصلاح أو إبطائه أو تفريغه من مضمونه؟

إن هذا السؤال لا يعكس تشاؤمًا، بقدر ما يعكس خبرة مجتمع عاش تجارب كثيرة بدأت بحماسٍ كبير، ثم انتهت بتسوياتٍ سياسية أضعفت أثرها. ولذلك فإن المواطن لا يريد أن يرى أسماء جديدة في وسائل الإعلام فقط، بل يريد أن يرى تحولًا حقيقيًا في طبيعة العلاقة بين السلطة والقانون.

فالدولة التي ينتصر فيها القانون مرة واحدة على أصحاب النفوذ، تُرسل رسالةً أقوى من آلاف البيانات الرسمية؛ لأنها تعلن أن ميزان العدالة بدأ يستعيد توازنه. وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام حين قال:

«ما عُمِّرَتِ البلدانُ بمثلِ العدل.»

(غرر الحكم ودرر الكلم).

فالمدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تبنى بالثقة. والاستثمار لا يبحث عن الموارد فقط، بل يبحث عن قضاء عادل، وإدارة نزيهة، ومؤسسات لا تُباع فيها القرارات. لذلك فإن مكافحة الفساد ليست قضية أخلاقية فحسب، بل هي أيضًا قضية تنموية واقتصادية، لأن كل دينار يُستعاد هو مشروع جديد، وكل مسؤول يُحاسب هو رسالة طمأنينة للمجتمع بأسره.

غير أن العدالة لا تحتاج إلى شجاعة الحكومة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى يقظة المجتمع. فالفساد لا يعيش بالقوة فقط، وإنما يعيش بالصمت، وبالتبرير، وبثقافة التساهل مع التجاوزات الصغيرة حتى تتحول إلى منظومة كاملة. وكلما قبل المجتمع أن تُستثنى فئة من القانون، فإنه يفتح الباب أمام استثناءات أكبر، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة.


ولهذا لم يجعل الإمام الحسين عليه السلام معيار الإصلاح مرتبطًا بالأشخاص، بل بالمبادئ، فقال:

«إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي.»

(بحار الأنوار، ج44، ص329).

فالإصلاح ليس شعارًا سياسيًا يُرفع عند الحاجة، بل هو موقف دائم يرفض أن تتحول السلطة إلى وسيلة للامتياز الشخصي، أو أن يصبح المال العام طريقًا لبناء النفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يُقاس بعدد الملفات التي تُفتح، وإنما بعدد القضايا التي تصل إلى نهاياتها العادلة، وبعد قدرة الدولة على بناء منظومة تمنع عودة الفساد بدل الاكتفاء بملاحقة نتائجه.

إن العراقيين لا ينتظرون معجزات، ولا يطالبون بمستحيل. ما يريدونه في جوهره بسيط وعميق في آنٍ واحد: أن يشعر المواطن بأن حقوقه لا تتوقف على انتمائه، وأن القانون لا يميز بين مسؤول ومواطن، وأن المنصب لم يعد حصانة من المساءلة، بل مسؤولية مضاعفة أمام الناس والتاريخ.

وربما لهذا السبب، فإن معركة الإصلاح في العراق ليست معركة حكومة ضد فاسدين فقط، وإنما هي معركة بين ثقافتين: ثقافة ترى المنصب خدمةً عامة، وأخرى تراه فرصةً خاصة؛ ثقافة تؤمن بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وأخرى تختزلها في شبكة مصالح ضيقة.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي ليس على قوة الخطابات، بل على استمرارية الأفعال. فالإصلاح لا ينتصر بضربة واحدة، وإنما يتقدم بخطوات ثابتة لا تعرف الانتقائية ولا تتراجع أمام الضغوط. ويبقى الدعاء الصادق أن يحفظ الله العراق، وأن يمنح كل من يحمل مسؤولية فيه الشجاعة ليكون القانون سيد الجميع، وأن تبقى كرامة المواطن هي البوصلة التي توجه القرار، لأن الأوطان لا تُخلّدها ثرواتها، وإنما تُخلّدها قدرتها على أن تجعل العدالة أسلوب حياة، لا استثناءً مؤقتًا. وحينها فقط، لن يكون العراق قد انتصر على الفساد فحسب، بل سيكون قد انتصر لدموع المظلومين التي انتظرت طويلًا أن تجد دولةً تسمعها، وقضاءً ينصفها، وعدلًا لا يخشى أصحاب النفوذ.

ذات صلة

هل تؤثر زيارة المراقد المقدسة على حياتنا؟صولة الفجر.. هل بدأت معركة الإصلاح الحقيقي؟ابن الحنفية وتخلّفه عن ركب الحسين بن عليعاشوراء.. من تضليل السلطة إلى سلطة الوعيتشريح العقلية الفاسدة: كيف يبرر الإنسان تجاوزه للحدود؟