من فرعونَ إلى الزعيم.. أركانُ الطغيان وآلياتُ بقائه
فتح الله الكيلاني
2026-07-06 03:27
(مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)
لعلّ هذه العبارة التي نطق بها فرعون تمثّل واحدةً من أكثر العبارات السياسية تعبيراً عن جوهر الاستبداد عبر التاريخ؛ إذ يبدأ الطغيان الحقيقي حين لا يكتفي الحاكم باحتكار السلطة، بل يسعى إلى احتكار الحقيقة ذاتها، فلا يعود يرى للناس حقّاً في الاختلاف، ولا للمؤسسات حقّاً في الرقابة والمحاسبة، ولا للعقول حقّاً في الاجتهاد خارج حدود ما يراه هو من تصوّرات ورؤى.
ومن هنا، فإنّ الحكمة من الحضور المتكرّر لقصة موسى وفرعون في القرآن الكريم لا تكمن في مجرّد استحضار أحداث الماضي أو تسجيل وقائع التاريخ، وإنّما في تنبيه الإنسان إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية تتكرّر كلّما توافرت أسبابها وشروطها. ففرعون في المنظور القرآني ليس مجرّد شخصية تاريخية، بل نموذج للاستعلاء السياسي وتأليه السلطة واحتكار الحقيقة، كما أنّ الشخصيات التي أحاطت به لم تكن أسماءً عابرة، وإنّما كانت تمثّل أركاناً لازمة لقيام الاستبداد واستمراره.
ولذلك، فإنّ التاريخ لا يعيد نفسه على نحوٍ حرفي، بل نحن من نعيد إنتاج أخطاء التاريخ كلّما غفلنا عن سننه، وأهملنا قراءة تجاربنا بوعيٍ ونقدٍ ومسؤولية. فالأسماء تتبدّل، والشعارات تتغيّر، والوسائل تتطوّر، غير أنّ أنماط الاستبداد وآليات بقائه كثيراً ما تعود إلى الظهور حين تتوافر لها البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية المناسبة.
وفي قلب هذه المنظومة يظهر «الزعيم»؛ ذلك الحاكم الذي تختزل الدولة في شخصه، وتتحوّل المؤسسات في عهده إلى أدوات تنفيذ لا إلى مراكز مستقلة للقرار والمراجعة. وعندها تبدأ الحدود الفاصلة بين الدولة والحاكم في التآكل، فتصبح المصلحة العامة هي ما يراه الزعيم مصلحة، ويغدو الاعتراض على السياسات اعتراضاً على الوطن نفسه.
غير أنّ الزعيم، مهما بلغت قوّته، لا يستطيع بناء منظومة الطغيان بمفرده؛ إذ يحتاج الاستبداد إلى شبكة متكاملة من المصالح والأدوار والوظائف التي تحميه وتضمن استمراره.
وفي مقدّمة هذه الأركان يقف فرعون ممثّلاً للسلطة المطلقة ومصدر القرار والشرعية السياسية. ويأتي هامان ممثّلاً للجهاز الإداري والأمني الذي يتحوّل من خدمة الدولة إلى حماية السلطة وتحصينها من المساءلة.
ثمّ يظهر قارون ممثّلاً لتحالف المال والنفوذ، حيث تتحوّل الثروة إلى أداة لشراء الولاءات وإعادة توزيع الامتيازات وفق معيار القرب من السلطة لا وفق معيار الكفاءة والاستحقاق.
أمّا السحرة، فإنّهم يمثّلون أصحاب الشرعية الفكرية أو الدينية أو الأيديولوجية الذين يمنحون الاستبداد غطاءه الأخلاقي والسياسي، ويحوّلون النقد إلى خيانة، والاعتراض إلى فتنة، والاختلاف إلى تهديد للاستقرار.
ويبقى الملأ، وهم صنّاع الرواية الرسمية ومديرو الوعي العام، الذين يتولّون تشكيل الصورة الذهنية للواقع، وإبراز ما يخدم السلطة، وإخفاء ما يضرّها، حتى تصبح الحقيقة نفسها موضوعاً للصراع وإعادة الصياغة.
وعندما تتكامل هذه الأركان جميعاً، تنشأ منظومة مغلقة لا يصل إلى مركز القرار فيها إلا ما يؤكّد صحة اختياراته، بينما تُستبعد الأصوات الناقدة، ويُنظَر إلى الحقيقة بوصفها تهديداً، وإلى التصفيق باعتباره دليلاً على الولاء والكفاءة.
ومن هنا فإنّ الاستبداد لا يولد فجأة، كما أنّه لا يسقط فجأة، بل ينمو تدريجياً حين يتراجع المجتمع عن ممارسة الرقابة والمساءلة، وحين تعتاد النخب الصمت، ويبدأ الزعيم في الاعتقاد بأنّه وحده يرى، ووحده يفهم، ووحده يملك طريق الرشاد.
وإذا كانت تجارب التاريخ الإنساني تقدّم شواهد كثيرة على هذه الظاهرة، فإنّ الواقع العربي لم يكن بمنأى عنها؛ إذ شهدت المنطقة غير مرّة اختزال الدولة في شخص الحاكم، وتقديم الزعيم بوصفه المنقذ الوحيد والقائد الذي لا يخطئ، حتى أصبحت المؤسسات تدور في فلكه بدلاً من أن يعمل هو في إطارها.
غير أنّ التجربة الإنسانية تثبت كذلك أنّ أكثر حلقات الاستبداد هشاشة ليست الشعوب، بل أولئك الذين يلتفّون حول السلطة طلباً للمصلحة أو النفوذ؛ إذ غالباً ما يكونون أوّل المنسحبين عند ظهور بوادر الانهيار، لأنّ ولاءهم الحقيقي لا يكون للأوطان أو المبادئ، وإنّما لموازين القوّة ومصادر المنفعة.
ولذلك فإنّ الخلاص من الاستبداد لا يتحقّق بتغيير الأشخاص وحدهم، وإنّما بتفكيك البنية التي تسمح بإعادة إنتاجه مرّة بعد أخرى. فالتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وقوّة المجتمع المدني، ليست شعارات سياسية عابرة، بل صمّامات أمان تحمي المجتمعات من عودة الطغيان بأسماء جديدة ووجوه مختلفة.
إنّ الطغيان لا ينتمي إلى زمن بعينه ولا إلى أمّة بعينها؛ إنّه احتمال إنساني دائم الحضور، لا تمنع عودته إلا المؤسسات القوية، والثقافة السياسية الناضجة، والوعي المجتمعي القادر على وضع القانون فوق الأشخاص، والوطن فوق الحكّام، والحقيقة فوق الأهواء.
فالأسماء تتغيّر، والوجوه تتبدّل، غير أنّ أركان الطغيان وآليات بقائه تكاد تعيد إنتاج نفسها في كلّ عصر.
ولذلك يبقى قول فرعون: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ليس مجرد صدى لصوت قادم من أعماق التاريخ، بل تحذيراً متجدّداً لكلّ مجتمع يوشك أن يستبدل المؤسسات بالأشخاص، والنقد بالتقديس، والمواطنة بالولاء، والدولة بالزعيم.