ليس بالاعتقالات وحدها

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-07-04 05:03

من منظور الفلسفة الحضارية، لا يكفي اعتقال بعض سراق المال العام، مهما كانت مناصبهم، للقضاء على الفساد. فهذا الإجراء، على أهميته، يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب.

الفلسفة الحضارية تنظر إلى الفساد بوصفه مرضًا يصيب المركب الحضاري كله، وليس مجرد انحراف أخلاقي لأفراد. ولذلك فإن محاربة الفساد ينبغي أن تكون مشروعًا حضاريًا متكاملاً، لا حملة أمنية أو قضائية فقط.

فالقضاء على الفساد يتطلب أولًا إقامة دولة المؤسسات التي تكون فيها السلطة خاضعة للقانون لا للأشخاص، وتكون المناصب تكليفًا لا غنيمة. كما يتطلب بناء قضاء مستقل، وأجهزة رقابية محصنة من التدخل السياسي، وإدارة عامة تعتمد الكفاءة والشفافية بدل المحاصصة والولاءات.

ويتطلب أيضًا إصلاح النظام السياسي إذا كان هو نفسه منتجًا للفساد. فإذا كانت قواعد توزيع السلطة والثروة تشجع على تقاسم الغنائم بين القوى السياسية، فإن اعتقال بعض الأفراد لن يغير طبيعة النظام، بل سيأتي فاسدون جدد ليحلوا محل من أُبعدوا.

ومن الناحية الاقتصادية، لا يمكن تجاهل دور الاقتصاد الريعي. فحين تعتمد الدولة على توزيع الريع النفطي أكثر من اعتمادها على الإنتاج، تتحول السلطة إلى مصدر للثروة، ويصبح الصراع على المناصب صراعًا على السيطرة على المال العام. ولذلك فإن تنويع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، وتقليص فرص الاحتكار، كلها أدوات أساسية في مكافحة الفساد.

أما على المستوى الثقافي، فإن المجتمع يحتاج إلى ثقافة النزاهة. فلا يكفي أن يخاف المسؤول من العقوبة، بل ينبغي أن يشعر بأن الأمانة قيمة حضارية، وأن الاعتداء على المال العام هو اعتداء على المجتمع كله. وهنا يأتي دور التربية، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية.

ومن زاوية الفلسفة الحضارية، فإن جوهر القضية هو الانتقال من ولاية المصالح إلى ولاية القيم. فالفساد ليس مجرد سرقة للأموال، بل هو انقلاب في منظومة القيم؛ إذ تصبح المنفعة الشخصية أعلى من العدالة، والولاء للأشخاص أعلى من الولاء للقانون، والغنيمة أعلى من الخدمة العامة.

لذلك فإن اعتقال الفاسدين ضرورة، لكنه يمثل بداية العلاج لا نهايته. وإذا لم يترافق مع إصلاح سياسي، وقانوني، وإداري، واقتصادي، وثقافي، فسوف يتحول إلى معالجة دورية للأعراض، بينما يستمر المرض في إنتاج فاسدين جدد.

وباختصار، يمكن صياغة المبدأ الحضاري على النحو الآتي:

إن الفساد لا يُهزم باعتقال الفاسدين وحدهم، وإنما يُهزم ببناء دولة تجعل الفساد استثناءً صعبًا لا قاعدةً سهلة، وتجعل النزاهة نتيجةً طبيعيةً لمنظومة الحكم، لا فضيلةً فرديةً نادرة.

وهذا هو الفارق بين مكافحة الفساد بوصفها إجراءات أمنية وقضائية، وبناء الدولة الحضارية الحديثة بوصفه مشروعًا يزيل البيئة التي ينتج فيها الفساد من الأساس.

ذات صلة

مركز الفرات ناقش.. دور ازدواجية السلطة في العراق في إشكاليات تشكيل الحكومةالأخبار سلاحًا: من يكتب الحقيقة قبل أن يقرأها العالم؟الدكتور أمثل محمد عباس لـ النبأ: العبودية غيّرت جلدها لكنها لم تغادر العالمسلامة الذكاء الاصطناعي.. سباق القدرات يتقدم أسرع من أدوات الحوكمةحاضر ومستقبل المكتبات والكتب في عصر الذكاء الاصطناعي