صحوة إسلامية أم غفلة وطنية؟
عبد الامير المجر
2026-06-30 06:10
من بين المصطلحات التي رُوِّج لها منذ نحو أربعة عقود، مصطلح (الصحوة الإسلامية)، وكان ذلك بعد ظهور ما عُرف للمرة الأولى بالتنظيمات (الجهادية)، والتي بدأت رحلتها في العام 1979 من أفغانستان، على خلفية التدخل السوفييتي في هذا البلد الذي وجد نفسه يخوض محنةً مركبةً وقاسيةً.
فمشاعر الرفض الأفغاني للتدخل السوفييتي، الذي جاء للإطاحة بحكومة حفيظ الله أمين، الشيوعي المتهم سوفييتيًا بالعمالة للغرب، لتنصيب شيوعيين موالين للسوفييت بقيادة بابراك كارمل، كانت بوابة الجحيم الذي لم يلتهم أفغانستان وحدها، وإنما امتد لهيبه ليحرق نصف العالم الإسلامي، وما زال العالم كله يدفع ثمن تلك اللعبة التي وقفت وراءها أجندة دولية كبرى متصارعة، اتخذت من المشاعر الدينية الممتزجة بالحماسة الوطنية مدخلًا لهذا الخراب.
في تلك المرحلة، أي أواخر السبعينات، كانت شعوب ما عُرف بـ(العالم الثالث) تعيش مخاضًا من أجل الخلاص، وقد تزامن ذلك مع رحلة الاستقطاب العقائدي التي طبعت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي العموم، كان هناك معسكران كبيران: الاشتراكي بزعامة السوفييت، والرأسمالي بزعامة الأميركيين، وكان لا بد من استحداث أدوات للاستقطاب أو إعاقة كلٍّ منهما للآخر.
وبما أن بريق الاشتراكية، وقتذاك، كان طاغيًا، وكان وراء ظهور أحزاب شيوعية واشتراكية و(تقدمية) في أغلب بلدان العالم الغنية بالثروات، أو أن لبعضها موقعًا جيوسياسيًا مؤثرًا، فكان لا بد من التفنن في كيفية استقطاب أكبر عدد من أبنائها.
ومن هنا كان البعد (العقائدي) في أغلبه قناعًا لكسب أكبر عدد منهم أو من النخب المؤثرة فيهم، وهو ما كان يجري العمل عليه بشكل محموم، لا سيما في البلدان الأكثر تخلفًا أو فقرًا.لقد جرى في تلك المرحلة تسويق مصطلح (المجاهدين الأفغان) إعلاميًا، بطريقة مبالغ فيها، لاستدراج أكبر عدد من الشباب لمقاتلة السوفييت، سواء من الأفغان أنفسهم أو غيرهم من بلدان العالم الإسلامي. وصارت صور الشباب المثقلين بالسلاح والعتاد، وهم يقفون على جبال (تورا بورا) وغيرها، مصدر إلهام وحماسة لآلاف الشباب ممن تطوعوا للذهاب إلى هناك.
ليجد العالم الإسلامي نفسه، فيما بعد، أمام سيل من التنظيمات (الجهادية) التي صارت تتوالد لتصبح بمثابة أوراق ثمينة بأيدي الجهات التي تمولها وتقف وراءها. لقد اكتشفت تلك الجهات الحل السحري للكثير من المشكلات السياسية التي أعيتها سابقًا، أو وجدت أن بعض الأنظمة المختلفة معها قوية ومحصنة، ولم تستطع استدراجها، فكانت صناعة مثل هذه التنظيمات هي اللعبة الأسهل، والوسيلة الأسرع في تحقيق الأهداف أو تأديب الأنظمة، حتى وصلنا إلى ما يُعرف بالربيع العربي، الذي هو امتداد طبيعي لهذه الثقافة التي عادت بأغلب البلدان العربية، التي شهدت ظهور مثل هذه التنظيمات، إلى الوراء عقودًا وأكثر من الزمن، وغيبت الحياة المدنية فيها، وأشاعت التصحر، ودمرت المشاريع التنموية.
ولعل البلدان التي تجاوزت المحنة تركت وراءها كوارث عدة، مثلما تركت جروحًا غائرة في أجساد مجتمعاتها، بعد أن دفعت الثمن، ولعلها ما زالت تعاني.اليوم يقف العالم، بشكل عام، والعالم الإسلامي، بشكل خاص، بعد ما يقارب نصف قرن من الزمن، ليحصي حجم الخسائر المتحققة من جراء دعم وتأسيس هذه التنظيمات، وأي خراب خلّفت، وكيف كان واقع شعوب المنطقة والتعايش السلمي بين أبنائها من مختلف الأديان والطوائف، مقارنة بما حل بها بعد ظهور هذه التنظيمات وثقافتها الظلامية الكارثية.
لقد هُدر الكثير من المال، وهذا أقل الخسائر، وهُدر الكثير من الزمن، وهذا من أثقل الخسائر، ولكن الأهم هو تلك الأعداد الهائلة من الأرواح البريئة، وتهجير الملايين من ديارهم، وتوزعهم بين المنافي... والسؤال هو: لماذا كان كل هذا التنوع الديني حاضرًا في بلداننا في مختلف حقب الإسلام الماضية؟ ولماذا كان كل هذا الخراب في زمن (الجهاد والمجاهدين)؟!