ولاية القيم في ثورة الامام الحسين
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-06-22 03:00
إذا أردنا تلخيص نهضة الإمام الحسين بكلمة واحدة، فقد تكون هذه الكلمة هي: القيم. فالحسين لم يكن صاحب مشروع سلطة، ولم يكن قائداً لطائفة تبحث عن نفوذ، ولم يكن زعيماً سياسياً يسعى إلى توسيع دائرة حكمه، وإنما كان صاحب موقف أخلاقي كبير أراد أن يجعل القيم فوق المصالح، والمبادئ فوق المكاسب، والحق فوق القوة. ولهذا يمكن النظر إلى نهضته بوصفها أحد أعظم تجليات «ولاية القيم» في التاريخ الإسلامي.
والمقصود بولاية القيم أن تكون القيم العليا هي المرجعية الحاكمة على الفرد والمجتمع والدولة، وأن تخضع السلطة للعدل، وتخضع القوة للحق، وتخضع المصالح للمبادئ، لا أن يحدث العكس. فحين تصبح القيم هي الحاكمة نكون أمام ولاية القيم، أما حين تصبح الأهواء أو المصالح أو القوة هي الحاكمة فنكون أمام ولاية من نوع آخر.
وقد جسّد الحسين هذا المبدأ في أبهى صوره. فقد كان أمامه أكثر من طريق يجنبه المواجهة ويحفظ له حياته ومكانته الاجتماعية، لكنه أدرك أن المحافظة على الذات لا يجوز أن تكون على حساب الحقيقة، وأن السلامة الشخصية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المسؤولية الأخلاقية.
لقد كانت المصلحة الشخصية تدعوه إلى المهادنة، وكانت الحسابات السياسية تدعوه إلى التسوية، وكانت موازين القوة تدعوه إلى الانسحاب، لكن القيم كانت تدعوه إلى موقف آخر. ولهذا اختار طريقاً يعلم مسبقاً أنه طريق التضحية لا طريق المكسب، وطريق الشهادة لا طريق السلطة.
ومن هنا تكمن عظمة الحسين. فالكثير من الناس يتمسكون بالقيم عندما تكون منسجمة مع مصالحهم، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتعارض القيم مع المصلحة. عندئذٍ يضطر الإنسان إلى الاختيار بين ما يريده وما يعتقد أنه الحق. وفي تلك اللحظة اختار الحسين الحق.
إن جوهر القضية الحسينية لا يكمن في عدد المقاتلين الذين كانوا معه، ولا في النتائج العسكرية للمعركة، بل في هذا القرار الأخلاقي العظيم: قرار تقديم القيم على المصالح. وهذا هو السبب الذي جعل كربلاء تتجاوز حدود الزمان والمكان لتتحول إلى رمز إنساني عالمي.
ومن زاوية الفلسفة الحضارية يمكن القول إن نهضة الأمم لا تقوم على القوة وحدها، ولا على الثروة وحدها، ولا على العلم وحده، بل تقوم قبل ذلك على منظومة القيم التي توجه هذه العناصر جميعاً. فالعلم من دون قيم قد يتحول إلى أداة تدمير، والثروة من دون قيم قد تتحول إلى وسيلة استغلال، والقوة من دون قيم قد تتحول إلى استبداد. ولذلك فإن القيم ليست عنصراً إضافياً في البناء الحضاري، بل هي العنصر الذي يمنح سائر العناصر معناها واتجاهها.
وهذا ما أراد الحسين ايصاله بوضوح. فقد كان الخطر الذي يراه لا يتمثل في شخص الحاكم وحده، بل في انتقال المجتمع كله من مرجعية القيم إلى مرجعية القوة. وكان يعلم أن الأمة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية قد تملك الجيوش والأموال، لكنها تفقد روحها الحضارية.
ولهذا يمكن فهم كربلاء على أنها معركة بين مشروعين: مشروع يجعل القيم حاكمة على السلطة، ومشروع يجعل السلطة حاكمة على القيم. وكان الحسين يمثل المشروع الأول، بينما كانت الدولة الأموية في صورتها التي واجهها تمثل المشروع الثاني.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم العلاقة العميقة بين نهضة الحسين ومشروع الدولة الحضارية الحديثة. فالدولة الحضارية ليست دولة الأشخاص ولا دولة السلالات ولا دولة الأحزاب، وإنما هي دولة تخضع فيها السلطة لمنظومة القيم العليا: الحرية، والعدالة، والمساواة، والمسؤولية، والإتقان، والتضامن، والتعاون، والإيثار، والتسامح، والثقة، والسلام، والإبداع. وهذه هي الصيغة المعاصرة لفكرة ولاية القيم.
لقد انتصر خصوم الحسين في معركة كربلاء بالسيف، لكن الحسين انتصر عليهم بالقيم. والسيف لا يعيش طويلاً بعد صاحبه، أما القيم فإنها تبقى حية ما بقي الإنسان يبحث عن الحرية والعدالة والكرامة.
ولهذا لم يكن الحسين مجرد قائد ثورة في التاريخ الإسلامي، بل كان شاهداً دائماً على أن القيم أقوى من القوة، وأن المبادئ أبقى من المصالح، وأن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء إلا كرامته إذا بقي وفياً للحقيقة التي يؤمن بها.