قراءة نقدية في الخطاب الفيدرالي الليبي

بين ضبابية الطرح وخطر التبسيط

فتح الله الكيلاني

2026-06-21 04:07

تُثير الدعوات الفيدرالية المعاصرة في ليبيا أسئلةً مشروعة حول عمق أطروحتها ومستوى واقعيتها، خاصةً حين تستند بعض أطروحاتها إلى قراءات انتقائية للتاريخ أو إلى سرديات مظلومية تُحمّل الماضي أكثر مما يحتمل. غير أن نقد هذا الخطاب لا ينبغي أن يقود إلى إنكار وجود اختلالات حقيقية في بنية الدولة الليبية، ولا إلى الدفاع عن مركزية أثبتت محدودية قدرتها على تحقيق التنمية المتوازنة.

فالتفاوت التنموي، وضعف الخدمات، وغياب العدالة الإدارية، لم تكن معاناة خاصة بإقليم دون آخر، بل ظواهر صاحبت الدولة الليبية في مراحل مختلفة منذ الاستقلال. ومن ثم فإن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة نظام الحكم وآليات إدارة الموارد وتوزيع السلطة، أكثر مما يكمن في صراع بين الأقاليم أو في وجود استهداف ممنهج لمنطقة بعينها.

أولاً: تفكيك مغالطات التاريخ الانتقائي

يربط جزء من الخطاب الفيدرالي بين إلغاء النظام الفيدرالي سنة 1963 وسقوط النظام الملكي سنة 1969، وكأن التحول إلى الدولة الموحدة كان السبب المباشر للانقلاب. غير أن هذه القراءة تتجاهل جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعيشها ليبيا والمنطقة العربية آنذاك، كما تتجاهل تأثير المد القومي الذي اجتاح المنطقة خلال تلك الحقبة.

والأهم أنها تغفل حقيقة تاريخية مفادها أن عدداً من أبرز الضباط الذين شاركوا في انقلاب سبتمبر أو شكلوا نواته الأساسية كانوا من أبناء برقة، ومن بينهم موسى أحمد، وآدم الحواز، وبوبكر يونس، ومحمد نجم، وعوض حمزة، وأمحمد المقريف، وعبد الفتاح يونس وعمر الحريري وسليمان محمود وغيرهم. وهذه الحقيقة لا تنفي وجود اختلالات في إدارة الدولة آنذاك، لكنها تُضعف أطروحة الإقصاء الإقليمي الممنهج، وتؤكد أن أبناء الإقليم كانوا حاضرين في مراكز القرار العسكري والسياسي.

ثانياً: الفيدرالية التأسيسية بين الضرورة والمرحلية

لم تكن الفيدرالية التي اعتمدتها ليبيا عند الاستقلال خياراً أيديولوجياً راسخاً بقدر ما كانت ترتيبات انتقالية اقتضتها ظروف النشأة وتباينات الأقاليم التي خلفها العهد الاستعماري. ومع تطور الدولة وازدياد الحاجة إلى توحيد الإدارة والموارد، برزت قناعة لدى عدد من كبار رجال الدولة بضرورة الانتقال إلى صيغة أكثر انسجاماً مع متطلبات التنمية وبناء المؤسسات. ولهذا جاء تعديل سنة 1963 عبر آليات دستورية وتشريعية مكتملة، ولم يكن انقلاباً على الشرعية أو خروجاً عليها.

ولا يعني ذلك أن الفيدرالية أصبحت فكرة غير قابلة للنقاش، لكنه يدل على أن التجربة الفيدرالية الأولى كانت مرتبطة بظروف تاريخية محددة، وليست بالضرورة النموذج الوحيد أو النهائي لتنظيم الدولة الليبية.

ثالثاً: الجدل المعاصر بين الفيدرالية والتنمية

تكمن إحدى أهم نقاط الالتباس في الخطاب الفيدرالي المعاصر في الخلط بين الفيدرالية بوصفها آلية لتنظيم السلطة، وبين إعادة إحياء الأقاليم التاريخية الثلاثة باعتبارها الصيغة الوحيدة الممكنة.

فإذا كان الهدف هو معالجة اختلالات المركزية وتحقيق تنمية أكثر توازناً، فإن السؤال المشروع يصبح: لماذا الإصرار على الأقاليم الثلاثة تحديداً؟ ولماذا لا تُطرح صيغ حديثة تقوم على أقاليم تنموية وإدارية جديدة تُرسم حدودها وفق اعتبارات السكان والاقتصاد والجغرافيا وشبكات الخدمات؟

إن أهمية هذا السؤال تكمن في أنه يكشف طبيعة المشروع المطروح. فالفيدرالية القائمة على أقاليم تنموية متعددة تُخفف من المخاوف المرتبطة بإعادة إنتاج الانقسامات التاريخية، وتحد من احتمالات نشوء مراكز قوة جهوية كبرى، كما تنقل النقاش من صراع الهويات إلى ميدان التنمية والحوكمة الرشيدة.

أما الإصرار على إعادة بعث الأقاليم التاريخية الثلاثة وحدها، ورفض أي بدائل أخرى تحقق الأهداف نفسها، فهو ما يمنح خصوم الفيدرالية مبرراً للتشكيك في المقاصد الحقيقية لبعض هذه الطروحات، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام المخاوف من تحولها مستقبلاً إلى مشاريع انفصالية.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين من يطرح الفيدرالية باعتبارها وسيلة لإعادة توزيع السلطة والثروة داخل دولة موحدة، وبين من يوظفها لخدمة أهداف سياسية أخرى. فليس كل فيدرالي انفصالياً، كما أن ليس كل معارض للفيدرالية مؤيداً للمركزية المطلقة.

رابعاً: الدولة الوطنية بين التنمية والسلاح

تزداد المخاوف مشروعية عندما يمتد النقاش إلى الدعوات التي تلمّح إلى إنشاء قوى عسكرية جهوية أو إلى ما يمكن وصفه بفدرلة المؤسسة العسكرية.

فمهما كانت الملاحظات على التجربة التاريخية للجيش الليبي، فإن وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يظل ركناً أساسياً من أركان الدولة الحديثة. وأي اتجاه نحو توزيع القوة المسلحة على أسس جغرافية أو جهوية لن يؤدي إلى الحد من الاستبداد، بل إلى تكريس الانقسام وإضعاف السيادة الوطنية.

إن الفيدرالية التي يمكن أن تسهم في حل الأزمة الليبية هي فيدرالية إدارة وتنمية وخدمات، لا فيدرالية جيوش وسلاح. فوجود أقاليم متعددة الصلاحيات لا يمثل خطراً في حد ذاته ما دامت السيادة الوطنية ممثلة في جيش واحد، وسياسة خارجية واحدة، ومصرف مركزي واحد، وقضاء موحد، وآليات عادلة لتوزيع الثروة الوطنية.

خاتمة: من الجدل التاريخي إلى بناء المستقبل

تعاني الساحة الليبية اليوم من مشكلتين متوازيتين: خطاب فيدرالي لا يزال في بعض جوانبه غامضاً في تحديد غاياته النهائية، وخطاب مركزي يرفض الاعتراف بأن المركزية المفرطة كانت أحد أسباب تعثر الدولة وتفاقم الاختلالات التنموية.

ولهذا فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول الدفاع عن الفيدرالية أو مهاجمتها كفكرة مجردة، بل حول الكيفية المثلى لبناء دولة قوية وفعالة وعادلة، توازن بين وحدة الوطن وحق المناطق في إدارة شؤونها والمشاركة في صنع القرار.

إن ليبيا لا تحتاج إلى استدعاء خرائط الماضي بقدر ما تحتاج إلى استشراف المستقبل، وإلى حوار وطني عقلاني ينتقل من سجالات المظلومية والهويات الجهوية إلى البحث عن نموذج حكم يحقق التنمية والاستقرار ويصون وحدة الوطن. وليس من الضروري أن يبقى هذا النقاش أسير الأقاليم التاريخية الثلاثة؛ فالتجربة الليبية عرفت من قبل نظام المحافظات العشر، كما أن تطور المعرفة اليوم يتيح إعادة النظر في التقسيمات الإدارية والتنموية وفق أسس علمية يضعها مختصون في الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والتخطيط والإدارة العامة، بما يحقق أعلى درجات الكفاءة والعدالة المكانية.

فالمعيار الحقيقي لنجاح أي صيغة للحكم ليس عدد الأقاليم ولا أسماؤها، بل قدرتها على تحقيق التنمية المتوازنة، وتقريب القرار من المواطن، وتعزيز الوحدة الوطنية. وعندما يُبنى التقسيم الإداري على اعتبارات التنمية والكفاءة لا على استدعاء الانقسامات التاريخية، يصبح أداة لبناء الدولة لا مدخلاً لتفكيكها.

ذات صلة

الإمام الحسين عليه السلام وثلاثية الخلاصعاشوراء.. تاريخ الذاكرة أم ذاكرة التاريخالحسين عليه السلام وإعادة اكتشاف معنى الكرامةدور تحالف (باكس سيليكا) في تشكيل المنافسة التكنولوجية العالميةالزيدي.. الدولة أولا