مرتكزات الرؤية المستقبليَّة في المنهاج الوزاري للحكومة
د. صابرين ستار جبار
2026-06-11 03:36
يهدف المنهاج الوزاري لحكومة 2026- 2029، إلى إحداث تحولات مفصلية وجوهرية في تاريخ العراق الحديث، إذ يهدف إلى الانتقال بالدولة من نموذج “إدارة الأزمات” إلى نموذج “الاستقرار المستدام والاقتصاد المنتج”، يستند هذا المنهاج إلى الدستور العراقي لعام 2005، طارحًا نفسه كميثاق وطني يستجيب للتحديات الأمنية والمالية والتكنولوجية الراهنة، تتمحور فيه الرؤية العامة للحكومة حول بناء دولة مستقرة، قادرة على حماية سيادتها، وتطوير اقتصاد متنوع يقلل من الارتهان للنفط، مع تعزيز شراكات دولية متوازنة تخدم المصالح الوطنية العليا، وبهذا يعد وثيقة استراتيجية متكاملة هدفها صياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد في العراق، مستند في مرجعيته القانونية إلى المادتين (76/رابعاً) و (110) من دستور جمهورية العراق لعام 2005، مقدماً رؤية تتجاوز النمط التقليدي في إدارة الدولة نحو مفهوم “الدولة الضامنة والمستقرة”، تنطلق هذه الرؤية من فلسفة ثلاثية الأبعاد: إرساء الاستقرار المؤسسي، تفعيل الاقتصاد الإنتاجي، وبناء شراكات دولية متوازنة.
وعند النظر في ثنايا هذا المنهاج بغية تحليلها نجد ان التركيز تمثل على المحاور الآتية:
أولاً: التحول في فلسفة السيادة والأمن: يهدف المنهاج إلى إحداث نقلة نوعية في مفهوم “أمن الدولة” من خلال:
1ـ مركزية السلاح: أي حصره بيد الدولة وإعادة هيكلة قدرات الحشد الشعبي ضمن المنظومة العسكرية القانونية.
2 ـ استخدام التقنية في حماية حدود: أي التوجه نحو الرقمنة الحديثة في مراقبة الحدود وحمايتها.
3 ـ إعادة بناء السيادة: من خلال تبني مبدأ عدم السماح بأن يكون العراق منطلقاً للاعتداء على الآخرين، مما يمهد لبيئة مستقرة جاذبة للاستثمار.
ثانياً: الرؤية الاقتصادية اقتصاد ما بعد النفط : قدم المنهاج رغبة قوية جداً في إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي من خلال الآتي:
1 ـ اعتماد برامج الانضباط المالي ورقمنة الجباية، مما سيؤدي مستقبلاً إلى تقليل الهدر المالي ورفع الإيرادات غير النفطية.
2 ـ إصلاح القطاع المصرفي من خلال الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال.
3 ـ انشاء فكر استدامي من خلال تأسيس صندوق يعد ضمانة مستقبلية لحقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية.
4 ـ تنويع مصادر الدخل من خلال استغلال الثروات الطبيعية غير النفطية.
ثالثاً: التحول نحو الشبكات الذكية في قطاع الطاقة: تضمن المنهاج ملامح مستقبلية لقطاع الطاقة تمثلت بالآتي:
1 ـ السعي لتحقيق استقلالية الطاقة مع تعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار.
2 ـ التحول نحو الشبكة الذكية لتقليل الضائعات الفنية، مما سيسهم في تحسين ساعات التجهيز بشكل جذري.
3 ـ إنجاز مشاريع الغاز المصاحب لتقليل الاستيراد وتوفير وقود لمحطات التوليد.
رابعاً: التحول الرقمي الشامل من خلال الحوكمة: يستهدف هذا التحول الآتي:
1 ـ اعتماد الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني لتبسيط الإجراءات ومكافحة البيروقراطية.
2 ـ إطلاق رخصة وطنية للهاتف النقال بالشراكة مع القطاع الخاص، مما يعزز المنافسة في قطاع الاتصالات.
3 ـ استثمار الموقع الجغرافي ليكون العراق مركزاً إقليمياً لتبادل البيانات الدولية.
خامساً ـ التمكين الاجتماعي والتنمية البشرية: هذا الجانب يركز على الانتقال بالمواطنين من الرعايا إلى التمكين وهذا المبدأ لا يتم إلا من خلال الآتي:
1 ـ التحول التدريجي من تقديم الإعانات المالية إلى تمكين الطبقات الهشة عبر دعم المشاريع الصغيرة.
2 ـ ربط التخصصات الجامعية بمتطلبات سوق العمل الفعلية والتوسع في التعليم الرقمي.
3 ـ إعداد برامج تدريب قيادية للنساء وتعزيز دور الشباب في صنع القرار عبر منصات رقمية.
إن المنهاج الوزاري يكون مرهوناً بالآتي:
1 ـ التخصيصات المالية: تنفيذ المنهاج مرتبط بشكل مباشر بتوفر الموازنات اللازمة.
2 ـ الاستقرار السياسي: يعتمد المنهاج على تظافر جهود القوى السياسية ووحدة قرارها.
3 ـ المرونة الإدارية: امتلاك الحكومة صلاحية تعديل الأولويات بحسب المصلحة العليا والظروف القاهرة.
إن المنهاج الوزاري المقدم من قبل رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي للفترة 2026-2029، يمكننا من استشراف سيناريوهات مستقبلية عدة يمكن من خلالها بيان جوانب الفشل والنجاح والتقييد وهي كالآتي:
1 ـ سيناريو النجاح: في تنفيذ “الرؤية الوطنية الجامعة” وتحويل المنهاج إلى واقع ملموس.
2 ـ سيناريو النجاح الجزئي: في هذا السيناريو، تنجح الحكومة في الملفات الخدمية المباشرة لكنها تواجه صعوبة في الإصلاحات الجذرية.
3 ـ سيناريو المقيد: يركز هذا السيناريو على العوامل التي قد تعيق التنفيذ كما ورد في خاتمة المنهاج.
4 ـ سيناريو الثورة الإدارية “التمكين الرقمي والحوكمة”: يعتمد هذا السيناريو على نجاح الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي الشامل.
5 ـ سيناريو التنمية البشرية “النهضة المجتمعية والقوة الناعمة”: يركز هذا السيناريو على المحاور الثقافية والاجتماعية في المنهاج.
6 ـ سيناريو “دولة المؤسسات والعدالة الجنائية”: يركز هذا السيناريو على نجاح المحور الأول والسابع في بناء هيبة الدولة من خلال فرض سلطة القانون والإصلاح الأمني الهيكلي والشفافية والمساءلة.
7 ـ سيناريو “الثورة التعليمية والتمكين الشبابي”: يعتمد هذا السيناريو على المحورين الثامن والثالث عشر لضمان مستقبل الأجيال القادمة، ويتحقق بردم الفجوة التعليمية وتوطين الخبرات والاعتماد على القيادات الشابة.
8 ـ سيناريو “النهضة الصناعية والزراعية المستقلة”: يركز هذا السيناريو على المحورين الخامس والسادس لتحقيق السيادة الاقتصادية من خلال استعادة مقومات الإنتاج الزراعي وحماية المنتج المحلي مع الاعتماد على الشراكة الاستراتيجية.
9 ـ سيناريو “التنمية المستدامة وحقوق الإنسان” يركز على المحورين العاشر والثاني عشر لتحسين جودة الحياة من خلال تمكين المرأة والطفل والارتقاء بالبيئة المعيشية وترسيخ مبادئ العدالة الجنائية وحرية الرأي والإعلام الحر كجزء أساسي من استقرار الدولة.
بالامكان عد المنهاج وثيقة “ميثاق وطني” تتجاوز الحلول الجزئية والموضعية، فهو يضع العراق على خارطة التحول الرقمي والاقتصادي، مع تركيز واضح على تعزيز هيبة الدولة المؤسسية وتحويل العراق إلى جسر اقتصادي وثقافي في المنطقة.
يمثل المنهاج الوزاري المقترح 2026-2029 وثيقة طموحة تضع الدولة العراقية أمام مسار واقعي لإدارة المخاطر وتحقيق الإصلاحات المنشودة، ونجاحه، أي المنهاج لا يتوقف فقط على الإرادة الحكومية، بل يمتد ليشمل الشراكة الفاعلة مع مجلس النواب والقطاع الخاص والقوى المجتمعية، إن الالتزام بتنفيذ هذا الميثاق الوطني بروح الانضباط والشفافية كفيل بنقل العراق إلى مرحلة الاستدامة الاقتصادية وترسيخ سيادته في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة.
النتائج:
1 ـ يعزز المنهاج الوزاري من الشفافية ويقلص من البيروقراطية.
2 ـ يعمل المنهاج الحكومي على توظيف التقنيات الحديثة.
3 ـ تحقيق الاستقلالية.
4 ـ تمكين الطبقات الهشة عبر دعم ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة بدلاً من الاكتفاء بالإعانات المباشرة.
التوصيات:
يتطلب نجاح هذا المنهاج وتحقيق أهدافه الطموحة الآتي:
1 ـ تشريع القوانين المعطلة كقانون “النفط والغاز” وقوانين “مناهضة العنف الأسري” لتوفير غطاء قانوني لمحاور الطاقة وحقوق الإنسان.
2 ـ تفعيل مبدأ “ربط التمويل بالإنجاز والقرار بالنتيجة” لضمان كفاءة الإنفاق الحكومي ومنع الفساد.
3 ـ إشراك المستثمرين الاستراتيجيين في إصلاح الشركات العامة وتطوير قطاع توزيع الكهرباء والزراعة.
4 ـ دعم المشاريع التي تبرز الهوية الوطنية والموروث الحضاري العراقي لمواجهة التحديات الفكرية والمجتمعية.
5 ـ التقيد بالتوقيتات الزمنية ومؤشرات القياس التي سيتم وضعها في البرنامج الحكومي التفصيلي.
6 ـ مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل الرقمي الجديد والتركيز على التأهيل المهني والتقني.
7 ـ توظيف الأمن السيبراني مع الرقمنة الشاملة بغية حماية البيانات الوطنية من التهديدات الرقمية.