ماذا يريد الزيدي من ملاحقة المقربين من السوداني؟
مصطفى ملا هذال
2026-06-09 03:13
منذ تسلمه رئاسة الحكومة أثارت الإجراءات التي اتخذها رئيس الحكومة الجديدة علي فالح الزيدي بحق عدد من الشخصيات والمسؤولين المحسوبين على حكومة سلفه محمد شياع السوداني موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، فبين من يراها خطوة جادة نحو فتح ملفات الفساد ومحاسبة المتورطين، وبين من يعدها محاولة لكسب الرأي العام أو حتى تصفية حسابات سياسية، تبقى الحقيقة محاطة بالكثير من التعقيدات التي تميز المشهد العراقي.
في الأنظمة الديمقراطية يعد فتح ملفات الفساد وملاحقة المتهمين أمرا طبيعيا وضروريا للغاية، خاصة إذا كانت هناك أدلة وقرائن قانونية تدعم الاتهامات، فالدولة لا يمكن أن تتطور في ظل وجود مسؤولين فوق القانون، كما أن أي حكومة جديدة تجد نفسها أمام ضغوط شعبية تدفعها لإثبات جديتها في محاربة الفساد الذي استنزف مؤسسات الدولة لعقود طويلة ولا مشكلة في ذلك.
اين الإشكالية إذا؟
الإشكالية تكمن في طبيعة الأشخاص المستهدفين وتوقيت الإجراءات المتخذة، فعندما تتركز أغلب التحقيقات على شخصيات مرتبطة بفريق سياسي معين أو بحكومة سابقة دون غيرها، تبدأ الشكوك بالتسلل إلى الرأي العام حول ما إذا كانت هذه الإجراءات قانونية بحتة أم أنها تحمل أبعادا سياسية تتجاوز هدف مكافحة الفساد.
هناك من يرى أن الزيدي يدرك جيدا حجم الغضب الشعبي تجاه الطبقة السياسية، وأن أي خطوات تتعلق بمحاسبة مسؤولين سابقين ستلقى ترحيبا واسعا من الشارع العراقي، فالمواطن الذي سئم من الوعود والشعارات يبحث عن أفعال ملموسة، والاعتقالات غالبا ما تمنح انطباعا سريعا بأن الحكومة تتحرك باتجاه الإصلاح، ومن هذا المنطلق يمكن تفسير بعض الإجراءات باعتبارها محاولة لإقناع الجمهور بأن المرحلة الجديدة تختلف عن سابقاتها.
غير أن كسب الشارع عبر الاعتقالات وحدها لا يكفي لبناء الثقة على المدى الطويل، فالجمهور العراقي أصبح أكثر خبرة في قراءة المشهد السياسي، ولم يعد يكتفي بمشهد الاعتقال أو المؤتمر الصحفي، فهو ينتظر نتائج حقيقية تتمثل في استعادة الأموال المنهوبة، وإصدار أحكام قضائية عادلة، وإصلاح المؤسسات التي أنتجت الفساد أصلا، أما إذا انتهت الملفات إلى التسويات أو الإهمال، فإن التأثير الشعبي سيتحول من التأييد إلى مزيد من الإحباط.
في المقابل يذهب فريق آخر إلى أن ما يجري قد يكون جزءا من عملية إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي، فالتاريخ السياسي العراقي مليء بالأمثلة التي شهدت صراعات بين النخب الحاكمة، حيث تُستخدم ملفات الفساد أحيانا كأدوات ضغط متبادل أكثر من كونها مشروعا إصلاحيا متكاملا.
وفي هذه الحالة تصبح بعض الشخصيات المستهدفة ضحية للصراع السياسي وليس فقط للمساءلة القانونية.
هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة براءة المتهمين أو فساد الإجراءات، لكنه يسلط الضوء على أهمية الفصل بين القضاء والسياسة، فإذا شعر المواطن بأن الاعتقالات تستهدف الخصوم فقط بينما يتم تجاهل ملفات أخرى لا تقل خطورة تخص أطرافا نافذة في السلطة الحالية، فإن مصداقية الحملة ستتعرض للاهتزاز مهما كانت نتائجها.
من جهة أخرى يواجه الزيدي تحديا كبيرا يتمثل في إثبات أن حملته لا تستند إلى الانتقائية، فمحاربة الفساد الحقيقية لا تميز بين مسؤول سابق وحالي، ولا بين حليف وخصم، وهي تحتاج إلى مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة تعمل وفق القانون لا وفق المزاج السياسي أو متطلبات اللحظة الإعلامية.
كما أن نجاح أي حملة إصلاحية يتطلب معالجة جذور المشكلة، وليس الاكتفاء بملاحقة بعض الأفراد، فالفساد في العراق لم يكن نتاج أشخاص فقط، فهو نتيجة منظومة إدارية وسياسية معقدة تراكمت عبر سنوات طويلة، لذلك فإن استبدال مسؤول بآخر أو اعتقال مجموعة من الموظفين لن يكون كافياً إذا لم تترافق هذه الخطوات مع إصلاحات هيكلية تمنع تكرار الأخطاء ذاتها.
السؤال الحقيقي: هل الاعتقالات صحيحة أم خاطئة؟ وهل ستقود إلى تغيير مؤسسي دائم أم أنها ستبقى مجرد حدث سياسي مؤقت؟ فالتاريخ العراقي الحديث شهد عشرات الحملات التي رفعت شعار مكافحة الفساد، لكن القليل منها تمكن من إحداث تحول فعلي في بنية الدولة.
تبقى الاعتقالات الحالية أمام اختبار الزمن، فإذا أثمرت عن محاكمات شفافة وأحكام عادلة واستعادة للمال العام، فستُحسب للزيدي باعتبارها خطوة جادة نحو الإصلاح، أما إذا توقفت عند حدود الرسائل السياسية والإعلامية، فإنها ستُفسر باعتبارها محاولة لامتصاص غضب الشارع أو جزءا من صراع النفوذ بين القوى المتنافسة، وبين هذين الاحتمالين، يبقى المواطن العراقي هو الطرف الأكثر انتظارا لنتائج ملموسة تتجاوز العناوين السياسية.