منطق الدولة ومنطق السلاح
ابراهيم العبادي
2026-06-02 03:01
في أواخر ستينيات القرن الماضي، وحين كانت المنظمات الفلسطينية بمختلف تياراتها القومية واليسارية والوطنية تدشّن الجنوب اللبناني ساحةً جديدةً للصراع مع إسرائيل، كان الشاب العربي والفلسطيني واللبناني يمتشق بندقية الكلاشنكوف وهو يهتف بحماسة العاطفة الثورية: “طالع لك يا عدوي طالع من كل بيت وحارة وشارع”.
كانت الأمة العربية يومها تسير منكّسة الرأس تحت وطأة هزيمة حزيران وانكسار المشروع القومي العربي، وصعود المعسكر الصهيوني الغربي على حساب معسكر الأيديولوجيات الثورية، الذي ظنّ كثيرون أنه يمتلك مفاتيح التاريخ وحتميات الانتصار.
في تلك اللحظة المشتعلة بالعاطفة والانفعال والهزيمة، رفع سماحة السيد موسى الصدر شعاره الشهير: “السلاح زينة الرجال”. لم يكن الشعار يومها دعوةً إلى الفوضى بقدر ما كان محاولةً للإمساك بلحظة التوازن الاجتماعي والسياسي في لبنان، بعدما كادت قعقعة السلاح ومراهقات الكفاح المسلح أن تعصف بالدولة اللبنانية الهشّة وتدفع البلاد إلى انهيار شامل.
لكن أحدًا من الثوريين آنذاك لم يفكر بمصير الدولة اللبنانية، ولا بمصير الفئات الاجتماعية الأخرى التي كانت تخشى انفلات السلاح وتوظيفاته السياسية والطائفية.
تخلّقت دولة داخل الدولة، بل دول متعددة داخل الكيان اللبناني، وصار سلاح الثورة فوق مظلة الدولة وأعلى من رأس هرمها المتداعي. ومن هناك بدأت الرحلة الطويلة نحو الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية والاحتلالات والانقسامات العميقة التي دمّرت لبنان وحوّلته إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية. الثورية العربية المسلحة، ومعها اليمين الانعزالي بنسخته اللبنانية، قادت البلاد إلى الخراب.
ثم ما لبثت أن وُلدت من تحت أنقاض الثورية القومية واليسارية مقاومةٌ إسلامية ذات بعد عقائدي ديني، حملت معها روح الثورة الإسلامية ومفاهيم الشهادة ومقارعة المستكبرين والتصدي للمشروع الأمريكي ـ الصهيوني.
ومع الزمن، تحولت هذه المفاهيم إلى مقدسات مغلقة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المراجعة. في المقابل، تراجعت قيم المصلحة الإسلامية والعقلانية الدينية والواقعية السياسية، وصار الحديث عن حساب الكلفة والمصلحة والنتائج ضربًا من التخاذل أو العمالة أو الانبهار بالمشروع الغربي.
وهي ذات اللغة التي استخدمتها سابقًا الأيديولوجيات القومية واليسارية ضد مخالفيها حين كانت ترميهم بالرجعية والعمالة والرأسمالية.
لقد عاش جيلٌ عربي كامل داخل فكرة الثورة بوصفها غايةً قائمة بذاتها، لا باعتبارها وسيلةً لتحقيق امن الإنسان وكرامته وحريته واستقراره. فلم يعد السؤال: كيف نحقق الأهداف بأقل الكلف؟ بل أصبح السؤال: كيف نستمر في حالة المواجهة مهما كانت النتائج؟
ومن هنا تحوّل السلاح من أداة إلى قيمة عليا، وتحولت المواجهة إلى مشروع حياة، وغدت الثورية أصلًا من أصول الشرعية السياسية والأخلاقية، بل اقتربت أحيانًا من مفهوم الإمامة الثورية لدى بعض التجارب التاريخية الإسلامية المبكرة كما هي عند الزيدية الاوائل.
أما المعيارية الإسلامية التي تتحدث عن تحصيل المصالح وتقليل المفاسد وتحقيق الغايات بأخف الأثمان، فقد جرى تهميشها أو اتهامها بالمهادنة والضعف والانبهار بالغرب.
وفي خضم هذه العواصف الأيديولوجية، ضاعت فكرة الدولة نفسها وضاع معها الانسان وكرامته وعيشه ودينه أيضا.
واليوم، بعد عقود طويلة من التجارب والانهيارات والحروب والمقاومات والثورات، تبدو اللحظة مهيأة لطرح السؤال المؤجل:
ما الأصل؟ الدولة أم السلاح؟ الإنسان أم المشروع الثوري؟ الاستقرار أم ديمومة التعبئة؟ هل وظيفة السلاح أن يحمي الدولة والناس والمجتمع؟ أم أن وظيفة الدولة أن تتحول إلى منصة دائمة لخدمة مشروع ثوري مفتوح لا نهاية له؟
إن الدولة الطبيعية ليست نقيضًا للكرامة ولا خصمًا لفلسطين ولا عدواً للمقاومة، لكنها تحاول أن تجعل الإنسان محور السياسة لا وقودها.
الدولة تفكر بمعاش الناس، بأمنهم، بمستقبل أبنائهم، باقتصادهم وتعليمهم وصحتهم واستقرارهم. أما الدولة الثورية فغالبًا ما تفكر بالمعركة قبل المجتمع، وبالشعار قبل المؤسسة، وبالرمزية قبل الواقع. العراق اليوم يقف أمام هذا المفترق التاريخي! لقد عرفنا دولة الثورة وشاهدنا خطابها وقيمها وعقلها السياسي وشعاراتها الكبرى. ورأينا كيف يمكن أن تتحول الثورية المستدامة إلى حالة تستنزف الدولة والمجتمع معًا، حتى وإن امتلكت نوايا صادقة أو أهدافًا نبيلة.
أما دولة الدولة، دولة المؤسسات والقانون والتوازن والعقلانية السياسية، فما زلنا لم نبلغها بعد، ولم نشيّد بنيانها الحقيقي. لكن التجارب القاسية التي مرت على المنطقة باتت تدفع العقول إلى مراجعة المسلمات القديمة، وإلى التفكير بهدوء بعيدًا عن الانفعال الأيديولوجي والعاطفي.
ربما آن الأوان لكي ندرك أن أعظم انتصار ليس أن تبقى في حالة حرب دائمة، بل أن تنجح في بناء دولة عادلة مستقرة قوية تحمي الإنسان وتصون كرامته وتمنع سقوطه مرة أخرى في متاهات الفوضى والشعارات الثقيلة. فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على الحياة أيضًا.