النظام السياسي العراقي على منحدر خطر بسبب المحاصصة التوافقية
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-06-01 03:06
لم تعد أزمة النظام السياسي العراقي تكمن في ضعف الأداء الحكومي أو تعثر تنفيذ البرامج أو انتشار الفساد فحسب، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه. فبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، يتزايد الشعور بأن نظام المحاصصة التوافقية لم يعد قادراً على إنتاج سلطة فعالة، ولا على ضمان التداول الحقيقي للسلطة، ولا حتى على المحافظة على الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والدولة.
لقد نشأت المحاصصة التوافقية في ظروف استثنائية، حين كان الخوف من عودة الاستبداد أو هيمنة مكون على آخر هاجساً حاضراً بقوة في أذهان القوى السياسية. وربما بدت في حينها حلاً مؤقتاً لإدارة التعددية العراقية. غير أن المشكلة الكبرى لم تكن في اعتماد هذا الأسلوب بصورة انتقالية، بل في تحوله إلى قاعدة دائمة للحكم وإلى جزء من الثقافة السياسية السائدة.
في الديمقراطيات الطبيعية تمنح الانتخابات الشرعية للحكومة، وتحدد بصورة واضحة من يحكم ومن يعارض. أما في النظام التوافقي العراقي فإن نتائج الانتخابات كثيراً ما تفقد تأثيرها الحقيقي بعد انتهاء عملية الاقتراع، إذ تبدأ مرحلة طويلة من المفاوضات والمساومات وتقاسم المواقع، فتتشكل الحكومات على أساس التوافق بين القوى السياسية الكبرى أكثر مما تتشكل على أساس الإرادة الانتخابية المباشرة. وهكذا يشعر المواطن أن صوته لا يملك القدرة الكافية على التأثير في تشكيل السلطة.
وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف مفهوم المسؤولية السياسية. فعندما تشارك أغلب القوى السياسية في السلطة، يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الإخفاقات. وتتحول الحكومة إلى ائتلاف واسع من الشركاء الذين يتقاسمون المناصب والمكاسب، بينما تضيع المسؤولية بين الجميع. وفي المقابل لا تتشكل معارضة قوية وقادرة على الرقابة والمحاسبة، لأن معظم القوى المؤثرة تكون جزءاً من السلطة نفسها.
إن أخطر ما في المحاصصة التوافقية أنها تشجع الولاءات الفرعية على حساب المواطنة. فبدلاً من أن تتنافس الأحزاب على أساس البرامج والرؤى والسياسات العامة، يصبح التنافس قائماً على حجم الحصة التي يحصل عليها كل طرف داخل الدولة. ومع مرور الزمن تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى ساحات نفوذ متقاسمة بين القوى السياسية المختلفة، فتضعف الكفاءة ويزداد الترهل الإداري وتتراجع قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ.
والأخطر من ذلك كله أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية بالعملية الديمقراطية ذاتها. فحين يقتنع المواطن بأن الانتخابات لا تغير شيئاً جوهرياً في معادلة السلطة، وأن الحكومات تتشكل في الغرف المغلقة أكثر مما تتشكل في صناديق الاقتراع، فإن الإحباط السياسي يتزايد، وتتراجع المشاركة الانتخابية، وتضعف شرعية النظام السياسي تدريجياً.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بإعادة النظر في القواعد التي تحكم العملية السياسية. فالعراق بحاجة إلى نظام يعيد الاعتبار لصوت الناخب، ويجعل نتائج الانتخابات هي العامل الحاسم في تشكيل السلطة، ويؤسس لوجود أغلبية حاكمة ومعارضة فاعلة، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة لا على أساس الحصص والتوازنات المؤقتة.
إن استمرار المحاصصة التوافقية ليس ضمانة للاستقرار كما يعتقد البعض، بل قد يتحول مع مرور الوقت إلى أحد أهم مصادر عدم الاستقرار. فالنظم السياسية لا تسقط عادة بسبب أعدائها فقط، بل قد تتآكل من داخلها عندما تعجز عن تجديد نفسها والاستجابة لمتطلبات المجتمع. ولهذا فإن مستقبل العراق يتطلب شجاعة سياسية وفكرية للانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة، ومن التوافق على تقاسم السلطة إلى التنافس الديمقراطي على خدمة المواطنين.
إن النظام السياسي العراقي يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن يبدأ مسار الإصلاح التدريجي الذي يعيد للديمقراطية معناها وللدولة هيبتها، وإما أن يستمر في الانحدار على المنحدر الذي صنعته المحاصصة التوافقية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار والتنمية ومستقبل البلاد.