خمسة أشهر من الفراغ: حين تتقدم مصالح السياسة على مصلحة الوطن
مصطفى ملا هذال
2026-05-17 05:04
تأخر تسمية رئيس للحكومة لأكثر من خمسة أشهر، لم يكم سوى دليلا واضحا وخرقا كبيرا للمواد الدستورية والأعراف السياسية المتبعة في البلاد منذ تغيير النظام لغاية اليوم، اذ يدل هذا التأخير على اختلال ميزان الأولويات لدى الطبقة السياسية، فبدلا من الانشغال بمعالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تثقل كاهل المواطن، انخرطت القوى السياسية في صراعاتها التقليدية حول النفوذ وتقاسم المكاسب، تاركة البلاد في حالة شلل إداري وسياسي.
هذا التأخير يمكن تفسيره بانه نتيجة طبيعية لما مرت به البلاد من تعقيدات المشهد السياسي أو تباين الرؤى بين الكتل، الى جانب ذلك فهو يكشف عن نمط متكرر من السلوك السياسي الذي يضع الاستحقاقات الحزبية والفئوية فوق المصلحة الوطنية، فالمفاوضات التي كان من المفترض أن تُحسم خلال أسابيع، تحولت إلى ماراثون طويل من الشروط المتبادلة وغير المعلنة، كذلك تحولت الى تفاهمات المؤجلة.
وفي ظل هذا الفراغ تتفاقم الأزمات دون حلول حقيقية، الخدمات الأساسية تعاني من تراجع مستمر، والاقتصاد يواجه تحديات متزايدة، فيما يقف المواطن عاجزا أمام واقع لا يملك تغييره، اذ يشير هذا الحال الى غياب قيادة تنفيذية واضحة، وبالتالي يعني غياب القرار، وغياب القرار يعني استمرار التدهور في مختلف القطاعات.
اللافت أن هذا التأخير لا يبدو أنه يشكل ضغطا حقيقيا على القوى السياسية، إنما يبدو وكأنه جزء من لعبة التوازنات التي اعتادت عليها هذه الأطراف، فكلما طال أمد الفراغ زادت فرص المناورة، واتسعت مساحة التفاوض، ما يمنح بعض الأطراف مكاسب أكبر على حساب استقرار الدولة.
هذا السلوك يعكس خللا بنيويا في فهم العمل السياسي، حيث يُنظر إلى السلطة كغنيمة لا كمسؤولية، وفي هذا السياق تتحول المناصب العليا ومنها رئاسة الحكومة، إلى أدوات لتحقيق التوازنات الحزبية، لا إلى مواقع لخدمة الشعب وإدارة شؤونه.
من جهة أخرى، فإن استمرار هذا النهج يهدد بفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فحين يرى المواطن أن تشكيل الحكومة يخضع لمصالح ضيقة، وأن معاناته اليومية ليست ضمن أولويات صانعي القرار، فإن ذلك يعمق فجوة الثقة، ويفتح الباب أمام مزيد من الإحباط وربما الاحتقان.
وعليه تجاوز هذه الأزمة يتطلب الاتفاق على شخصية لرئاسة الحكومة، كذلك يستدعي مراجعة شاملة لمنهجية العمل السياسي في البلاد، فالمطلوب هو الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة، ومن حسابات الربح والخسارة الحزبية إلى حسابات المصلحة العامة.
تأخر تسمية رئيس للحكومة لأكثر من خمسة أشهر لا يمكن النظر اليه بوصفه أزمة إجرائية، فهو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بأولويات الطبقة السياسية، وبينما تستمر هذه القوى في إدارة خلافاتها، يبقى الوطن هو الخاسر الأكبر، والمواطن هو الضحية الأولى.