حين تصير الهويَّة جرحاً مفتوحاً
أ. د. عبد الجبار الرفاعي
2026-05-13 04:05
عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة.
الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.
الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.
في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها.
دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.
مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا، كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي.
هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.
واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.
الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.
غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.
التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه.
لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120،000،000،000دولار من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم.
إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.