من رد الفعل إلى صناعة الاستقرار: لماذا يحتاج العراق إلى نهج مؤسساتي دائم لإدارة الأزمات؟

مصطفى ملا هذال

2026-05-13 04:04

أصبحت الأزمات في العراق جزءا من المشهد العام، ولم تعد أحداثا استثنائية يمكن التعامل معها بإجراءات وقتية أو حلول ترقيعية، وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لدولة بحجم وتعقيد العراق أن تستمر في إدارة أزماتها بمنطق رد الفعل؟ أم أن المرحلة تفرض الانتقال إلى نهج مؤسساتي مستدام يضمن الاستجابة الفعالة ويحد من الخسائر؟

ما يلاحظ على التعامل مع الأزمات في العراق انه غالبا ما يتسم بالعشوائية والتشتت، حيث تتعدد الجهات المعنية دون وجود مركز تنسيق حقيقي، وتُتخذ القرارات بشكل متسرع تحت ضغط الحدث، لا وفق خطط مدروسة مسبقا، هذه الآلية وإن نجحت أحيانا في احتواء الأزمة مؤقتا، إلا أنها تفشل في منع تكرارها أو التخفيف من آثارها مستقبلاً.

من هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ نهج مؤسساتي قائم على التخطيط الاستباقي، والتكامل بين المؤسسات، وبناء قدرات وطنية حقيقية في إدارة الأزمات.

فإذا أردنا ترسيخ النهج المؤسساتي علينا ان نبدأ بإعادة هيكلة شاملة لطريقة التفكير في إدارة المخاطر، فالأزمة في جوهرها ليست مفاجأة مطلقة، فهي غالبا ما تكون نتيجة تراكمات يمكن رصدها وتحليلها، وهذا يستدعي وجود نظام إنذار مبكر يعتمد على البيانات والتحليل، ويُمكن صناع القرار من التدخل قبل تفاقم المشكلة.

في العراق ومع شديد الاسف ما زال هذا الجانب ضعيفا او مغيبا، حيث تفتقر العديد من المؤسسات إلى قواعد بيانات محدثة، أو آليات تحليل متقدمة.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب التنسيق بين الوزارات والهيئات المختلفة يمثل أحد أبرز معوقات إدارة الأزمات، ففي كثير من الأحيان، تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، ما يؤدي إلى تضارب في القرارات أو هدر في الموارد، بينما النهج المؤسساتي يتطلب إنشاء مركز وطني لإدارة الأزمات يكون مسؤولا عن التنسيق بين جميع الجهات، وتحديد الأدوار بوضوح، وتوحيد قنوات الاتصال أثناء الأزمات.

هذا المركز يجب أن يكون مدعوما بصلاحيات قانونية واضحة، تُمكنه من اتخاذ قرارات سريعة وملزمة، تسهم في تدعيم التخطيط الاستباقي الذي يعد بمثابة حجر الأساس في أي منظومة فعالة لإدارة الأزمات.

وهذا يشمل ايضا إعداد سيناريوهات محتملة لمختلف أنواع الأزمات، ووضع خطط استجابة جاهزة، وتدريب الكوادر على تنفيذها، ففي العراق غالبا ما يتم التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، دون وجود خطط واضحة للتعامل معها مسبقا، وهذا ما يؤدي إلى ارتباك في الأداء وتأخر في الاستجابة، وزيادة في حجم الخسائر.

كما أن رفع مستويات الجاهزية يتطلب الاستثمار في العنصر البشري، من خلال تدريب متخصص في مجالات إدارة الأزمات والإغاثة، والاتصال الجماهيري، ذلك ان الازمات بشكل مباشر تشكل تحديا ماديا، واختبار لقدرة المؤسسات على التواصل مع المواطنين وطمأنتهم، وتوجيههم بشكل صحيح.

ولا يمكن الحديث عن نهج مؤسساتي دون التطرق إلى الإطار القانوني، فغياب التشريعات الواضحة التي تنظم عمل الجهات المعنية بإدارة الأزمات يؤدي إلى حالة من الفوضى أو التردد في اتخاذ القرار، لذلك من الضروري سن قوانين تحدد المسؤوليات وتضع آليات للمساءلة، وتضمن استمرارية العمل المؤسسي بعيدا عن التغيرات السياسية.

من جهة أخرى فإن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني يمثل عنصرا مهما في بناء منظومة متكاملة لإدارة الأزمات، فالدولة وحدها لا تستطيع مواجهة جميع التحديات، خاصة في ظل محدودية الموارد، ويمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورا في توفير الدعم اللوجستي والتقني، بينما تسهم منظمات المجتمع المدني في الوصول إلى الفئات الأكثر تضررا.

التجارب الدولية تثبت أن الدول التي نجحت في إدارة أزماتها هي تلك الدول التي تمتلك مؤسسات أكثر كفاءة، وهذا ما يحتاجه العراق اليوم، وهو الانتقال من ثقافة إطفاء الحرائق إلى ثقافة إدارة المخاطر، وهذا التحول لا يتحقق بين ليلة وضحاها، اذ يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستثمار طويل الأمد في بناء المؤسسات.

ترسيخ نهج مؤسساتي مستدام لإدارة الأزمات في العراق أصبح ضرورة وطنية، فالأزمات لن تتوقف لكن طريقة التعامل معها هي التي تحدد حجم تأثيرها، وإذا أراد العراق أن يخرج من دائرة الهشاشة إلى فضاء الاستقرار، فعليه أن يبني منظومة قادرة على التنبؤ والاستعداد والاستجابة، عندها فقط يمكن الحديث عن دولة لا تكتفي بالنجاة من الأزمات، انما تتعلم منها وتتحول إلى أكثر قوة وصلابة.

ذات صلة

العراق وواشنطن بعد تكليف علي الزيديالعدمية وترسيخ العادات السيئةحين تصير الهويَّة جرحاً مفتوحاًالتداعيات الاستراتيجية المترتبة على حرب إيرانالزواج والهروب من الفراغ