فرحة على الهامش: حين يتحول التعيين إلى فرحة مزيفة
مصطفى ملا هذال
2026-05-12 02:56
في العراق تتكرر مشاهد الاحتفاء بالإعلان عن تعيينات جديدة، وتتصدر عناوين الأخبار أرقام كبيرة توحي بانفراج قريب في أزمة البطالة، آلاف المواطنين يدخلون ضمن قوائم العقود، وتتولد لديهم لحظة فرح يعتقدون أنها بداية الاستقرار، غير أن هذه الفرحة عند التمحيص تبدو مؤقتة، ومحملة بقلق مستمر لا يغيب عن يومياتهم.
موظف العقد في العراق يعيش حالة مزدوجة؛ هو موظف رسمي من حيث الشكل، يحمل صفة وظيفية ويتواجد ضمن مؤسسة حكومية، وفي الوقت ذاته يفتقر إلى أبسط مقومات الأمان الوظيفي، راتبه قد يتأخر لأشهر، وربما يُصرف بشكل غير منتظم، دون جدول زمني واضح أو ضمانات قانونية صارمة، هذا الواقع يجعل الفرحة الأولى بالتعيين تتآكل تدريجيا، لتتحول إلى حالة انتظار مرهقة.
في المقابل يظهر المسؤول في وسائل الإعلام متحدثا عن إنجازات التعيين وتوفير فرص العمل، مستخدما لغة الأرقام والوعود، في صورة تعكس نجاحا حكوميا، فيما يركز هذا الخطاب على الكم، متجاهلا نوعية هذه الوظائف واستقرارها، فالتعيين هنا يتحول إلى أداة لامتصاص الغضب الشعبي أكثر من كونه حلا جذريا لمشكلة البطالة.
المشكلة لا تتوقف عند تأخر الرواتب، إنما تمتد إلى غياب الحقوق الأساسية، فغالبا لا يمتلك موظف العقد تأمينا صحيا متكاملا، ولا يضمن استمرارية عمله في حال تغيرت السياسات أو الحكومات، كل قرار إداري قد يهدد مستقبله المهني، مما يجعله يعيش تحت ضغط دائم، ومن المؤكد مثل هذه الحالة تنعكس على أدائه وإنتاجيته، وعلى استقراره النفسي والاجتماعي.
في البيئة العراقية حيث يعتمد الكثير من الشباب على الوظيفة الحكومية كمصدر أساسي للعيش، تصبح هذه العقود خيارا شبه إجباري، وما يجعلها كذلك عدم توفر بدائل حقيقية في القطاع الخاص قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين، لذلك يقبل الشاب بوظيفة غير مستقرة، مدفوعا بالحاجة، ومؤملا أن تتحول يوما إلى تثبيت دائم.
هذه الفرحة الزائفة لا تضر الفرد فقط، إنما تؤثر على المجتمع ككل، فعندما يعيش آلاف الموظفين في حالة عدم يقين، تتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل، ومن صور هذا التراجع تأجيل الزواج او مرحلة حياتية مهمة نظرا لصعوبة توفير السكن والعجز عن الادخار، كلها نتائج مباشرة لهذا الواقع.
من جهة أخرى، يخلق هذا الوضع فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، المواطن يسمع عن إنجازات، بينما يواجه تأخيرات ومعاناة يومية، وهذه الفجوة تضعف الثقة بالمؤسسات، وتزيد من حالة الإحباط العام، خاصة لدى فئة الشباب التي تمثل النسبة الأكبر من المجتمع العراقي.
الحل هنا يكمن في إعادة هيكلتها بشكل يضمن الاستقرار والعدالة، كأن يكون عبر تحويل العقود إلى وظائف دائمة وفق معايير واضحة، كذلك الالتزام بصرف الرواتب في مواعيد ثابتة، وتوفير حقوق أساسية للموظفين، كلها خطوات ضرورية لتحويل الفرحة المؤقتة إلى شعور حقيقي بالأمان.
التعيين ليس رقما يُضاف إلى سجل الإنجازات، إنما مسؤولية تجاه إنسان يبحث عن حياة مستقرة، وبين الفرحة المعلنة والواقع المعاش، تبقى الحقيقة واضحة هي الاستقرار الوظيفي يمثل المعيار الحقيقي لأي نجاح حكومي، وكل ما دونه يظل مجرد فرحة على الهامش.