وصايا أبوية.. حدودُ الإصلاح

مصطفى النصراوي

2026-05-12 02:50

بنيّ الحبيب، من المعاني التي تعلّمتها متأخراً، أنّ الإصلاح ليس موقفاً عابراً يمرّ بالإنسان في لحظة حماسة، مهما كان يملك من الفطنة والكياسة، إنما هو طريقةُ تفكير، وعقليةٌ تقدير، تسعى إلى إعادة الأشياء إلى مواضعها الصحيحة، ينبغي أنْ تسكنَ الإنسانَ ما دام حيّاً. فالمصلح الحقيقي لا يعيشُ متفرّجاً على مواطن الخلل، ولكن ينبغي أن ينظر دائماً إلى الأشياء بعينٍ تسأل: كيف يمكن أن تعود إلى توازنها؟ كيف يمكن أن تستعيد صحتها وقوامها؟

الإصلاحُ يا بنيّ ليس على مستوى واحد. ولا ينبغي أن يكون دائرة مغلقة، إنه يبدأ من النفس قبل الناس، ومن الداخل قبل الخارج. الإنسان يحتاج أن يُصلح أفكاره، وسلوكه، وطريقته في النظر إلى الحياة، كما يحتاج أن يُصلح علاقاته، وأخطاءه، وما يفسده الغضب أو العناد أو الغفلة. ومن لم يُصلح نفسه أولاً، فقد يُفسد وهو يظن أنّه يُصلح. وعند ذلك يكون ممن قال فيهم عزوجل:

(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)

ولعلّ من أجمل ما يمكن للإنسان أنْ يتأمّله في هذا الباب، أنّ الله عزّ وجل خلق الجسد البشري على هيئةٍ عجيبة من الإصلاح الدائم. فالجسد يرمّم نفسه بنفسه، ويجدّد خلاياه، ويقاوم المرض، ويحاول أن يعود في كلّ مرة إلى صحته الأولى. حتى الجرح، يا بنيّ، لا يبقى مفتوحاً إلى الأبد، إن الجسد يسعى إلى إغلاقه وإعادة ترميمه. وكأنّ في داخل الإنسان قانوناً فطرياً يدفعه إلى استعادة التوازن كلما اختلّ.

ولهذا ينبغي أنْ لا يشذ تفكير الإنسان عن هذا المعنى، أن يحمل روح الإصلاح لا روح الإفساد، وأن يسعى إلى إعادة الأشياء إلى مواضعها الصحيحة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. فيكون شعاره: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ..)

ولكن.. وهنا تكمن الحكمة التي يغفل عنها كثيرون: ليس كلّ شيءٍ يُصلح.

هذه الحقيقة مؤلمة يا بنيّ، لكنها ضرورية. فبعض الناس يذهب بهم شغف الإصلاح بعيداً، حتى يتوهّموا أنّ كلّ شيء يمكن إنقاذه، وكلّ علاقة يمكن ترميمها، وكلّ إنسان يمكن تغييره. وهؤلاء كثيراً ما يستهلكون أعمارهم في مطاردة ما انتهى.

فمهما عظم المصلح لا بد أن يستمع إلى نداء الحق: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا). وكلما تحسر على الآخرين في سبيل إصلاحهم لا بد أن يصغي للمواساة النورانية (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات).

إنّ الحكمة لا تكون في محاولة إصلاح كلّ شيء، إنما في معرفة ما يُصلح وما يُترك.

وقد قيل في المثل العربي القديم: "هل يُصلح العطّار ما أفسد الدهر؟"

وهذه ليست دعوةً إلى اليأس، هي يا ولدي دعوةٌ إلى البصيرة. فالشيء إذا انكسر أحياناً أمكن جبره، وإذا مرض أمكن علاجه، ولكن إذا مات... انتهى الأمر. 

وبعض العلاقات، يا بنيّ، تصل إلى مرحلة لا يعود معها الإصلاح ممكناً، وهذا لا يعني أنّك قصّرت، ولكنّك قد أسقط ما في يدك، إذا كان الطرف الآخر لا يريد أن يُصلح نفسه، أو لأنّ الخراب بلغ مرحلةً صار معها البقاء استنزافاً لا إصلاحاً.

وقد يرى الإنسان نفسه أحياناً يستهلك قلبه وطاقته وهو يحاول إصلاح إنسان لا يريد أن يتغيّر، أو علاقةٍ لا تقوم إلا على الأذى، أو حياةٍ فقدت كلّ أسبابها. وهنا ينبغي أن يفهم أنّ الإصلاح يحتاج طرفين وربما أطرافا، لا طرفاً واحداً يقاتل وحده.

بعض الناس، يا بنيّ، يحمل داخله وهماً خفياً، يظنّ أنّه مسؤول عن إنقاذ الجميع، وعن إصلاح كلّ شيء، وكأنّه قادر على إحياء ما مات. والحقيقة أنّ الإنسان مهما بلغ من الحكمة والخبرة، يبقى محدود القدرة. نحنُ نسعى، نحاول، نبذل، نداوي، ننصح... ولكننا لا نملكُ القلوب، ولا نغيّر الطبائع بالقوة، ولا نبعث الحياة فيما انتهى.

ولهذا تعلّمتُ أنّ الإصلاح يحتاج إلى أمرين متلازمين: إلى روحٍ تحاول دون سأم، وعقلٍ يعرف متى يتوقّف دون ندم.

فليس كلّ توقّف هزيمة، كما أنّ ليس كلّ استمرار بطولة. أحياناً يكون الانسحاب من الشيء الفاسد عينَ الحكمة، ويكون تركُ ما لا يُرجى إصلاحه حمايةً للنفس من الغرق معه.

فاحملْ يا بنيّ روح الإصلاح ما استطعت، وأصلح نفسك قبل أن تُصلح الناس، واسعَ إلى ترميم ما يمكن ترميمه، لكن لا تجعل رغبتك في الإصلاح تسلبك بصيرتك. فبعضُ الأشياء يُنقذها الإصلاح، وبعضها لا يُنقذك منها إلا الرحيل.

ذات صلة

الخوف من التغيير.. الفرص الضائعة والاوهام الكابحةتقوى اللسان ضرورة اجتماعيةالبيروقراطية الفاسدة وأثرها في تقويض الدولة والحكم الصالحقمة ترامب-شي.. وسيناريوهات تسوية الحرب الإيرانيةمن يمنح الذكاء الاصطناعي الحق في كتابة التاريخ البشري؟