اختصاص القضاء الإداري في نظر الطعن بقرارات مجالس المحافظات

قراءة في اتجاه محكمة التمييز الاتحادية

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-05-10 02:23

يمثل التمييز بين اختصاص القضاء الإداري والقضاء المدني إحدى الإشكاليات الجوهرية في النظام القانوني العراقي، خاصة عند التعامل مع قرارات مجالس المحافظات، حيث ان المادة (29) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل قررت الولاية العامة للمحاكم المدنية، الا ما استثني بنص خاص وعلى وفق الاتي (تسري ولاية المحاكم المدنية على جميع الاشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات الا ما استثنى بنص خاص) ويقصد بالمحاكم المدنية محاكم البداءة،

بينما جاءت المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) رقم 65 لسنة 1979 المعدل، لتخصص هذا العموم وتمنح محكمة القضاء الإداري سلطة النظر في الطعون ضد القرارات الإدارية النهائية، والتي ليس لها طرق طعن وعلى وفق النص الاتي (تختص محكمة القضاء الاداري بالفصل في صحة الاوامر والقرارات الادارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجع للطعن فيها بناءً على طلب من ذي مصلحة معلومة وحالة ممكنة، ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو الى التخوف من الحاق الضرر بذوي الشأن).

وتثور الإشكالية عند النظر في قرارات قبول استقالة المحافظ، هل هي من اختصاص القضاء الإداري أم المحاكم المدنية (البداءة)؟ حيث نظرت محكمة البداءة دعوى طلب الغاء مقررات جلسة مجلس احدى المحافظات وصدق قرارها العدد ١٢٣١/ ب / ٢٠٢٦ في 29/3/2026 من محكمة التمييز بموجب قرارها العدد 5208/5248/هيئة مدنية/2026 في 5/5/2026. 

وللوقوف على ما ورد في الأسباب التي اعتمدتها محكمة البداءة عند إصدارها قرارها ومن ثم التصديق من محكمة التمييز الاتحادية اعرض له على وفق القراءة التالية:

اولاً: موضوع الدعوى والقرارات الصادرة بموجبها من محكمة البداءة ومحكمة التمييز الاتحادية:

‌أ. طلب المدعى وهو محافظ احدى المحافظات بصفته الشخصية، من محكمة البداءة ابطال احدى جلسات مجلس المحافظة والإجراءات المتخذة فيها وكان المدعى عليه رئيس مجلس المحافظة إضافة لوظيفته، وبعد المرافعة والاستماع لدفوع الطرفين أصدرت المحكمة قراراها المؤرخ في 29/3/2026 والذي قضت فيه بالحكم بإلغاء مقررات مجلس المحافظة المتخذة في الجلسة الاعتيادية السادسة والجلسة الاستثنائية الثانية المنعقدة بتاريخ ٢٤/٢/٢٠٢٦ والمتمثلة بالقرارات المرقمة ١٥ لسنة ٢٠٢٦ و١٧ لسنة ٢٠٢٦ لمخالفتها القانون، 

‌أ. وجاء في قرارها بانها المحكمة المختصة بالنظر في الدعوى من حيث الاختصاص النوعي والوظيفي ورفض طلب وكيل المدعى عليه برد الدعوى شكلاً لعدم الاختصاص، بعد ان دفع الخصم بانها غير مختصة وان الاختصاص ينعقد الى محكمة القضاء الإداري استناداً لأحكام المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل، وجاء في تسبيب ولايتها نظر الدعوى، (بانها وجدت من خلال التدقيق ان قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم ٢١ لسنة ٢٠٠٨ المعدل قد رسم طريق الطعن بقرار اقالة المحافظ لدى محكمة القضاء الإداري عندما يتم استجواب المحافظ بموجب جلسة تنعقد لهذا الغرض وتتحقق فيها احد الأسباب المنصوص عليها في المادة (٧/ثامناً) من القانون المذكور، وهو على خلاف طلب الاستقالة الذي عالجته احكام المادة (٣٧/أولا) منه والمرهونة بتقديم طلب صريح يتضمن الاستقالة من المنصب وان المادة الأخيرة لم تحدد طريقاً للطعن بنتيجة الطلب المقدم، مما يجعل الاختصاص منعقد لهذا المحكمة بنظر الدعوى بموجب ولايتها العامة المنصوص عليها في المادة (٢٩) من قانون المرافعات المدنية رقم ٨٣ لسنة ١٩٦٩ المعدل واختصاصها بالفصل في كافة المنازعات لعدم وجود النص الخاص الذي يستثنيها).

‌ب. بعد الطعن بقرار محكمة البداءة امام محكمة التمييز الاتحادية أصدرت قرارها العدد 5208/5248/هيئة مدنية/2026 في 5/5/2026، الذي قضت فيه بتصديق قرار محكمة البداءة للأسباب الشكلية والموضوعية حيث جاء فيه (وجد انه صحيح وموافق للقانون ذلك ان محكمة البداءة فصلت في موضوع الدعوى وفقاً لولايتها العامة في نظر كافة المنازعات المتعلقة بالخصومات بما فيها الخصومات بين الافراد، الدولة بما يضمن الحماية القانونية الشاملة عملاً بأحكام المادة (٢٩) من قانون المرافعات المدنية رقم ٨٣ لسنة ١٩٦٩ المعدل).

 ثانياً: النصوص القانونية التي تتنازع فيما بينها من حيث الاختصاص النوعي: 

ان موضوع الاختصاص النوعي عند النظر في هذه الدعوى تنازعته مادتان في قانونين مختلفين،

‌أ. الأول المادة (29) مرافعات مدنية التي تمنح المحاكم المدنية (البداءة) الولاية العامة في نظر المنازعات وهو الأصل لان المادة (1) من قانون المرافعات المدنية اعتبرته المرجع لكافة قوانين المرافعات وقواعدها وعلى وفق النص الاتي (يكون هذا القانون هو المرجع لكافة قوانين المرافعات والاجراءات اذا لم يكن فيها نص يتعارض معه صراحة).

‌ب. والثانية المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) وهو نص خاص يمنح محكمة القضاء الإداري اختصاص الطعن في القرارات الإدارية النهائية والتي ليس لها طرق طعن خاصة بها وعلى وفق النص الاتي (تختص محكمة القضاء الاداري بالفصل في صحة الاوامر والقرارات الادارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجع للطعن فيها بناءً على طلب من ذي مصلحة معلومة وحالة ممكنة، ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي ان كان هناك ما يدعو الى التخوف من الحاق الضرر بذوي الشأن).

‌ج. اما النص الاخر وهو ما جاء في المادة (7/ثامناً) من قانون المحافظات رقم (21) لسنة 2008 المعدل نصت على الطعن أمام القضاء الإداري في حالة إقالة المحافظ فقط.

بينما في المادة (37/ثانياً) تناولت موضوع استقالة المحافظ دون تحديد طريق للطعن فيها. وموضوع الدعوى يتعلق بتقديم طلب استقالة وليس بإقالة.

ثالثاً: القراءة الفقهية:

 قبل التحليل لابد من تثبيت المفاهيم التي وردت في الدعوى وموضوعها، حيث ان محكمة البداءة وجدت ان نص المادة (37/ثانياً) من قانون مجلس المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008 لم يرد في طريق للطعن للقرارات محل الطعن، ومن ثم ينعقد لها الاختصاص لانعدام النص الذي يستثنيها من نظر الدعوى.

بينما الخصم تمسك بان قرارات مجلس المحافظة قرارات إدارية وتخضع لولاية القضاء الإداري، لان نص المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) قد اعتبر الاوامر والقرارات الادارية الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجع للطعن فيها يكون من اختصاص محكمة القضاء الإداري حصراً.

وبذلك لابد من من معرفة ماهية القرار الإداري والمعيار الذي يميزه عن غيره من القرارات، لان اذا ثبت ان قرار مجلس المحافظة بقبول الاستقالة والقرار الاخر بتعيين محافظ جديد هي قرارات إدارية، فإنها تكون تحت نظر ولاية القضاء الإداري لان نص المادة أعلاه حدد القرار الذي تنظر في صحته بان يكون صادر عن هيئة او موظف في الوزارة او الجهات غير مرتبطة بوزارة والقطاع العام.

وبموجب نص المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) فانه قد تبنى بالمعيار الشكلي في جعل قرارات مجلس المحافظة بانها قرارات إدارية، لأنها تصدر عن جهة إدارية أنشأها القانون، ومن ثم قرار قبول الاستقالة يبقى قرارًا إداريًا نهائيًا، وبالتالي يخضع لاختصاص القضاء الإداري بموجب المادة (7) من قانون مجلس شورى الدولة.

حيث يرى الفقه ان المعيار الشكلي لتمييز القرار الاداري عن غيره يقصد به أننا لا ننظر إلى مضمون القرار أو موضوعه أولاً، بل نركز على الجهة التي أصدرته والشكل الذي اتخذه، أي أن القرار يُعتبر إدارياً إذا صدر عن سلطة أو هيئة إدارية بوصفها سلطة عامة، وباستخدام الصيغة الرسمية للقرارات الإدارية، بغض النظر عن محتواه أو آثاره، ومجالس المحافظات تشكيل اداري لسلطة عامة انشأها القانون بموجب المادة (2) من قانون مجالس المحافظات رقم 21 لسنة 2008.

رابعاً: التحليل الفقهي للقرارات القضائية:

‌أ. ان قرار محكمة البداءة ومن بعده قرار محكمة التمييز الاتحادية اعتبر أن الطعن في قبول الاستقالة لا يدخل في اختصاص القضاء الإداري، بل في اختصاص القضاء المدني (محكمة البداءة)، واستند إلى أن النص الخاص بولاية القضاء الإداري في المادة (7/ثامناً) من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008 اقتصر على الإقالة، ولم يشمل الاستقالة، هذا يعكس توجه القضاء المدني العراقي العملي نحو تضييق اختصاص القضاء الإداري في هذه الحالة، رغم الطبيعة الإدارية الواضحة للقرار.

‌ب. وحيث ان قرارات مجالس المحافظات هي قرارات إدارية لان المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) اعتمد المعيار الشكلي في إضفاء الصفة الإدارية على القرارات التي يختص بالنظر فيها، باعتبار انها تصدر عن الهيئات والجهات الرسمية الحكومية، ومجلس المحافظة هو تشكيل اداري مستقل بموجب المادة (2) من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008.

‌ج. وحيث ان القانون رسم طريق الطعن امام القضاء الإداري بالنسبة للإقالة، وبذلك اصبح مختصاً بحكم القانون، بينما لم يصرح بذلك في موضوع الاستقالة، فان نص المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة جعل الاختصاص للقضاء الإداري، وذلك عندما جعل اختصاصه بالنظر في القرارات الإدارية التي لم يعين مرجع للطعن فيها، وصراحة النص أعلاه تجعل من الاختصاص ينعقد للقضاء الإداري وليس القضاء المدني (محكمة البداءة)، لان طبيعة القرار هو قرار اداري ولم يحدد له مرجع للطعن فان الاختصاص ينعقد للقضاء الإداري بموجب المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة (مجلس الدولة) رقم 65 لسنة 1979 المعدل.

الخلاصة:

‌أ. ان قرارات مجلس المحافظة المتعلقة بقبول الاستقالة وتعيين محافظ جديد هي قرارات إدارية صادرة عن هيئة إدارية أنشأها القانون بموجب احكام المادة (2) من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008، ومن ثم يكون الاختصاص منعقد لمحكمة القضاء الإداري، وليس لمحكمة البداءة.

‌ب. لكن هذا الاتجاه من قضاء محكمة البداءة ومحكمة التمييز الاتحادية قد تجاوز المعيار الشكلي الذي قرره نص المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة بأن كل ما يصدر عن الهيئات الرسمية ومنها مجلس المحافظة هو قرار إداري، ومن ثم فإن قرار قبول الاستقالة يخضع لاختصاص القضاء الإداري وإن قصر الطعن على الإقالة دون الاستقالة لا يمثل فراغًا تشريعيًا عند قولها (لعدم وجود النص الخاص الذي يستثنيها) مثلما ورد في قرار محكمة البداءة مما دعاها الى مد ولايتها للنظر في الدعوى، لان الشرط الوارد في نص المادة أعلاه هو (عدم تعيين مرجع للطعن فيها) هو المعيار الذي يحدد الاختصاص القضائي للقضاء الإداري على حساب القضاء المدني (محكمة البداءة).

‌ج. ان ولاية المحاكم المدنية (محكمة البداءة) ليست مطلقة، حيث ان عجز المادة (29) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل، قد قيدها عندما استثنى ولاية المحاكم المدنية (محاكم البداءة) من الدعاوى التي يصدر قانون خاص باستثنائها، ونص المادة (7/رابعاً) من قانون مجلس شورى الدولة واضح جداً بان منح الاختصاص الى القضاء الإداري، وجعله استثناء من امتداد ولاية المحاكم المدنية (محكمة البداءة) من النظر في اختصاصها على وفق ما تقدم ذكره بان القضاء الإداري يختص بالنظر في القرارات التي لم يحدد لها مرجع للطعن. 

‌د. ومن الجدير بالذكر ان محكمة التمييز الاتحادية كانت قد اعتمدت المعيار الشكلي لتحديد القرارات الإدارية وجعل الاختصاص القضائي ينعقد الى محكمة القضاء الإداري وعلى وفق ما جاء في قرارها العدد 711/هيئة مدنية/2010 في 4/10/2010 الذي جاء فيه (لدى التدقيق والمداولة تبين ان الطعن التمييزي مقدم ضمن المدة القانونية فقرر قبوله شكلاً وعند النظر في الحكم المميز ظهر انه غير صحيح لأن الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الافراد والسلطات الادارية عندما تتصرف الاخيرة باعتبارها سلطة عامة وتستند في تبرير تصرفها موضوع النزاع المطروح على القضاء على اساليب السلطة العامة او احكام ومبادئ القانون العام هو من اختصاص القضاء الاداري وحيث ان المدعي/المميز طلب في عريضة الدعوى المنظورة الحكم بابطال القرارين الاداريين رقم 8750 في 8/8/2005 و 250 في 21/7/2005 لعدم شرعيتهما الدستورية حسب قوله وطلب كف يد الهيأة التحضيرية المشكلة من قبل المدعى عليه بالاستناد الى قرار صادر من مجلس الوزراء فهذه الطلبات لا تقع تحت ولاية القضاء العادي لعدم صدور القرارات الادارية المذكورة بالاستناد الى احكام ومبادئ القانون الخاص واسلوب تطبيقها مما يقضي احالة الدعوى المنظورة الى محكمة القضاء الاداري حسب الاختصاص استناداً للمادة (78) من قانون المرافعات المدنية لذلك قرر نقض الحكم المميز واعادة اضبارة الدعوى الى محكمتها للسير فيها على ضوء ما تقدم ويبقى رسم التمييز تابعاً للنتيجة وصدر القرار بالاتفاق بتاريخ 25/شوال/1431هـ الموافق 4/10/2010م.).

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

عندما تصبح المؤسسات ظلًّا للسلطةالنفط.. متغير جيواقتصادي دافع لأدوار جيوسياسية عالمية واقليميةالعدوانية لدى الطفل.. قراءة في الجذور ومسارات العلاجقلق الشباب في زمن فائض الوعيماذا ترفض الأحزاب العراقية المعارضة البرلمانية؟