تحولات مفهوم الإنسان.. بين مصادر المعرفة القديمة والحديثة

حكمت السيد صاحب البخاتي

2026-05-03 02:51

تفترق مصادر المعرفة القديمة وفق تصنيف القائمين عليها عن مصادر المعرفة الحديثة وفق توجيهات القائمين عليها في مسألة أساسية تتعلق بوجود الإنسان كوجود خاص يتداخل في صلب الوجود العام أو يفترق عنه وهو ما يؤدي الى صياغات مختلفة في مفهوم الإنسان.

لقد عززت مصادر المعرفة القديمة من العلاقة بين الإنسان كوجود خاص والوجود العام فالإنسان وفق هذه المصادر يقع ضمن سلسلة الوجودات وفي حلقة تعد الأهم في حلقات هذا الوجود، إنه مرتب في صيغة من الترتيب الغائي، أي أنه يقع ضمن غايات الوجود كأولوية قصوى، نجد ذلك واضحا في الأساطير القديمة لا سيما أساطير الخليقة الأولى العراقية والمصرية والإغريقية فهي تجعل الإنسان في الحلقة الأقرب الى الآلهة وأنه محظي بهبة إلهية، وفي الديانات الوثنية الأقدم فإن الوثن-الإله إنما هو تجسيد حلم الإنسان بالقوة والهيمنة والسلطة.

 ثم نجد ذلك النسغ في مفهوم الإنسان وأولويته بالنسبة الى عالم العقول في نظرية الفيض الإغريقية الذي تجعله في سلسلة من العقول والنفوس المتصلة بالمبدأ الأول، وقد كانت تلك المصادر في المعرفة التي ظلت تغذي العقل البشري عصورا من الثقافة وأزمنة من الحضارات تمنح الإنسان تلك المركزية وذلك الاحترام الكوني والتبجيل الوجودي.

 ثم جاءت الأديان الإلهية لتؤكد ذلك الموقع الوجودي للإنسان بصيغ أخرى ومفاهيم أكثر جذرية في صيانة الوجود الكوني للإنسان برفعه الى مرتبة الإنسان الكامل أو الإنسان الفاضل بعد إن كان خادما تحل عليه البركة في الأساطير الأولى ونظرية الفيض، ولكنه ابتداء في تلك الأديان صنع الله وليس عبر الوسائط من آلهة سفلى أو عقول متدرجة، وقد مرت تلك التحولات على مفهوم الإنسان بعد إزاحة تلك المصادر في المعرفة القديمة جدا بواسطة الأديان الإلهية.

 واستثمرت الأديان تلك التحولات في مفهوم الانسان في مشروعها الكوني ووظيفتها الوجودية من أجل الرقي بالإنسان الى درجة أو منزلة الإنسان الكامل أو الإنسان الفاضل ومنحته السيادة في الكون من خلال تسخير الكون له ولكنها سيادة مسؤولة، ووضعت من اجلها مبدأ الحساب وبشقيه الثواب والعقاب أو ما يعرف بمبدأ المعاد، ولكن مع استثمار الثقافات الدينية التي نشأت في ظل تلك الأديان الإلهية للعلم البشري في مصادر المعرفة القديمة ومنها الوثنية لا سيما الإغريقية فإنها رسمت تصوراتها حول الانسان بما إنه ذات عاجزة ضعيفة تستقيم في منطق الخضوع الى القدر والخضوع الذاتي الى أحكام الآلهة أو الى تدرجات العقول الفائضة التي يتبعها في الثقافات المستوحاة منها تدرجات في المستويات الاجتماعية والمعيشية، وفي تراثنا تبرز تجلياتها واضحة في مفهومي الخاصة والعامة، وفي تراث أوربا مفهومي النبلاء والأقنان وبصياغات ثقافية اجتماعية، وهي ليست بالضرورة منطق الأديان الكبرى أو النصوص العليا فيها بل هي تدخل في منطق التحريفات الدينية التي حذرت منها دائما النصوص الدينية العليا، وإنما تلك الصياغات هي تصورات بشرية واستحكامات ثقافية ونتاج في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المضطربة في المجتمعات البشرية والتي قسمتها الى طبقات مستغِلة وطبقات مستغَلة وكرست ذلك المفهوم التقليدي للإنسان.

وقد فتحت تلك التصورات الوسيطة تاريخيا حول مفهوم الإنسان ومحاولة تكريسه ضمن سياقات القدر الكوني أو الجبرية الفاعلة وفق مفاهيم السلطة القديمة لا سيما الوسيطة في إدارة الدولة والمجتمع بابا نفذت منه مصادر المعرفة الحديثة في نقدها وتأشير تناقضاتها وخواء المعنى الإنساني فيها، بعد إن أحدثت انقلابا جوهريا في موضوعات المعرفة وفي مقدمتها علم الإنسان أو علم معرفة الإنسان، وقد تمكنت من ذلك بعد إن تلاشت قدرة المصادر في المعرفة القديمة على الاستجابة الى تحديات العصر الحديث.

 وفي أولويات ذلك الانقلاب في جوهر الموضوع المعرفي أن تلك المصادر الحديثة أوكلت المعرفة الى حدود العقل البشري وحصرت قنواتها بإمكانات الإنسان الفردية والذاتية وبلا فيض وبلا هبة إلهية، فالحس والتجربة والعقل ونفي اليقين والشك في ما يبوح به الوجود من معرفة أولية أو بدئية وانحسار المعرفة ضمن تلك الحدود ثم البنية المادية في مفهوم الإنسان وفق هذه التحولات المعرفية الحديثة، التي كانت أول انعكاساتها وبوادر نتاجاتها أن أحدثت تحولا في مفهوم الإنسان لاسيما باعتباره هو منطلق المبادرة في تحولات مصادر المعرفة ونقلها من الآلهة الى الإنسان.

 فانفصمت علاقة الإنسان بالوجود العام بعد انفصام علاقته بالإله وجعلت منه وجودا خاصا جدا ثم مستقلا ثم معزولا وبالتالي وجودا مغتربا، سمح بتطور فلسفة الاغتراب في حياته للتعبير عن التحول الذي طرأ على مفهوم الإنسان في ظل تلك المصادر الحديثة في المعرفة ذا الصبغة المادية القاتمة، فانقطعت سلسلة الوجود العام في علاقتها القديمة بالإنسان الحديث وصار الإنسان ذاتا منفصلة بإزاء موضوع شائك الفهم والتعقيد، وهو الوجود الذي تعرض الى الشك والى السؤال حول ماهيته أو في ماهيته وتعرض الى البحث في حقيقته من جديد.

 وقد خلص الإنسان الحديث في ظل مصادر المعرفة الحديثة الى عدم واقعية الوجود وأنه نسبي في التصور وغير موثوق في التصديق، وأن الوجود اصطناع يمارسه الإنسان عبر إضفاء المعنى الخاص على الوجود، لأن الوجود لم يعد ذا معنى يتفتح عنه أو يصدر عنه كما هو في مصادر المعرفة القديمة والوسيطة، وإنما المعنى هو فعل إنساني يضفيه الإنسان على الوجود وبواسطته يفرض هيمنته وسلطته على الوجود وهو ما يسمح بمعاودة الإنسان الى المفهوم الوثني، فالوثن–الإله إنما هو تجسيد حلم الإنسان بالقوة والهيمنة والسلطة، ونجده متجليا في سياسات الغرب لا سيما الولايات المتحدة الأميركية بإزاء العالم بعد إن كان الغرب هو حقل وساحة ومجال مصادر المعرفة الحديثة والقطيعة الايدلوجية مع المعرفة القديمة.

ذات صلة

العراقيون يُحبون رئيساً سياسياًتطبيقات المحاسبة الإدارية في تحسين القرارات المالية للمنشآت العراقيةالصراع السني-السني في الحاضر.. من تعدد المدارس إلى تنازع الشرعياتالحوار: لغة الدولة المتحضّرةمأزق الحرب مع إيران.. صراع بلا حسم يفاقم الكلف ويزيد التعقيدات