الديمقراطية والدين

الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي

2026-04-26 02:44

تُعدّ العلاقة بين الديمقراطية والدين من أكثر القضايا إشكالية في الفكر السياسي العربي والإسلامي المعاصر، ليس بسبب تعقيد المفهومين فحسب، بل نتيجة لطبيعة المقاربات الفكرية التي انشغلت بهما. فبدل أن يتجه هذا الفكر نحو بناء إطار نظري متماسك يُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والدين والإنسان، بقي يدور في دائرة مغلقة تتأرجح بين اتجاهين رئيسيين: تبرير سلطة الحاكم، أو تبرير سلطة الله، دون أن ينجح في إنتاج تصور متكامل يجعل الإنسان محور العملية السياسية ومرجعيتها الأساسية.

فبقدر تعلق الامر بالاتجاه الأول، كرّس جزء كبير من الفكر السياسي العربي والإسلامي جهوده لتثبيت شرعية الحاكم، وتلبية اهوائه، وتأكيد سيادته، ولو بالقوة السافرة كمقولة "من اشتدت وطئته وجبت طاعته"، فأسس ما يمكن تسميته بـ " حاكمية الحاكم" استنادا إلى مفاهيم مثل: الطاعة، والاستقرار، ودرء الفتنة...الخ.

 وقد استغل هذا التوجه الثقافة الأبوية السائدة في مجتمعاتنا، لتحويل السياسة من مجال للنقد والتغيير إلى أداة لإضفاء الشرعية على الواقع القائم، اذ تُقدَّم السلطة بوصفها ضرورة لا يمكن مساءلتها ومحاسبتها، والنظر إلى أي محاولة لمعارضتها باعتبارها تهديدًا للنظام العام. فادى ذلك الى تهميش الإنسان بوصفه فاعلًا سياسيًا، ليصبح مجرد متلقٍ للسلطة، لا شريكًا في إنتاجها ومراقبتها.

أما الاتجاه الثاني، فانه سعى إلى تأسيس شرعية بديلة تقوم على ما يُعرف بـ "الحاكمية الإلهية"، اذ تُنسب السيادة إلى الله، ويُنظر إلى النظام السياسي بوصفه تجسيدًا لإرادته. غير أن هذا التصور، على الرغم من حججه الكثيرة، لم ينجح في تجاوز إشكالية السلطة، بل أعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، إذ سرعان ما ظهرت نخب مختلفة، وأحيانا متقاطعة الاتجاهات، حتى داخل المجتمع الواحد، تدّعي احتكار تفسير النصوص الدينية، وتمنح نفسها حق تحديد ما هو إلهي وما هو بشري. فكانت النتيجة هي ان السلطة لم تنتقل إلى الله بوصفه مرجعية عليا مجردة، بل استقرت في يد فاعلين بشريين غير معصومين يمارسون الوصاية باسم الدين، الأمر الذي أفضى إلى نوع من الاستبداد المؤسس على التأويل الديني، لا على القوة المباشرة فقط.

 وتكمن المفارقة هنا في أن الفكر الديني، رغم غناه بالمفاهيم الأخلاقية التي تعلي من شأن الإنسان، الا انه لم ينجح في تحويل القيم الدينية إلى أساس لنظرية سياسية تجعل الإنسان مركزًا للنظام، لا موضوعًا له. 

وعليه ففي كلا الاتجاهين، بقي الإنسان غائبا بوصفه مصدرًا للشرعية السياسية، واستُبعد من موقع الفعل ليبقى محصورًا بين سلطتين: سلطة سياسية تسعى إلى احكام قبضتها باسم "حاكمية الحكام"، وسلطة دينية تُبرر وصايتها باسم " الحاكمية الإلهية".

إن الاشكالية المعرفية في هذا النمط من التفكير تتمثل في غياب مفهوم واضح للإنسان بوصفه مرجعية معيارية مستقلة، قادرة على إنتاج الشرعية وتحديد شكل النظام السياسي. ففي الوقت الذي تقوم الديمقراطية الحديثة على مبدأ السيادة الشعبية، حيث يُعدّ الإنسان مصدر السلطة وصاحب الحق في اختيار حكامه ومحاسبتهم، يظل الإنسان في كثير من الأدبيات العربية والإسلامية موضوعًا للحكم، لا مصدرًا له، فهو حاضر بوصفه كائنًا مكرمًا في الخطاب الأخلاقي، لكنه غائب بوصفه فاعلًا حرًا في البناء السياسي.

ولا يقتصر هذا الخلل على المستوى النظري، لاسيما في مجال العلاقة بين السياسة والدين، بل يمتد إلى طبيعة المعالجة المفاهيمية، اذ يسود خلط واضح بين مفاهيم مختلفة، مثل الشورى والديمقراطية، فكثيرًا ما يتم تقديم الشورى بوصفها معادلًا إسلاميًا للديمقراطية، دون إجراء تحليل نقدي دقيق يبيّن الفروق الجوهرية بينهما. فالشورى، وعلى الرغم من بعض الاجتهادات الفقهية التي حاولت عزلها نظريا عن سياقها التاريخي بعد عصر الرسول محمد صلى الله عليه وآله، لم تتطور إلى نظام مؤسسي قائم على إلزامية القرار أو تداول السلطة، بينما تقوم الديمقراطية الحديثة على بنى مؤسسية معقدة تضمن المشاركة الشعبية والرقابة والمساءلة. ومثل هذا التبسيط في المفاهيم لا يسهم في حل الإشكالية، بل يعمّقها، لأنه يعيق الحاجة إلى تطوير نموذج سياسي جديد يستلهم القيم الإسلامية دون أن يتجاهل مكتسبات الفكر السياسي الحديث.

فضلا على ما تقدم، هناك ارتباك نظري واضح في النظر الى مفهوم السيادة، وهي إحدى القضايا المركزية في أي نظام سياسي حديث. ففي الفكر الديمقراطي، تُنسب السيادة إلى الشعب، كمصدر اساسي للسلطة. أما في الفكر الإسلامي التقليدي، فتُنسب السيادة إلى الله، ولكن دون تقديم تصور عملي مقبول حول كيفية ترجمة هذه السيادة في مؤسسات الدولة الحديثة. وهنا تبرز الاسئلة الجدلية الآتية: من يملك حق التشريع؟ وما هي حدود تدخل النص الديني في المجال السياسي؟ إن غياب إجابة منهجية عن هذه الأسئلة، في ظل تعدد الاجتهادات، ترك المجال مفتوحًا لتأويلات متعارضة، كثيرًا ما تُستخدم لتبرير الممارسات السلطوية.

ومن جهة ثانية، هنالك إشكاليات أخرى ترتبط بمعالجة قضايا الحريات الفردية وحقوق الإنسان، التي تُعدّ من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، فبدلا من تطوير رؤية متكاملة توفّق بين المرجعية الدينية ومتطلبات العصر، يجري التعامل مع هذه القضايا إما بحذر مفرط أو بانتقائية واضحة، مما يعكس غياب تصور شامل يضع الإنسان في مركز الاهتمام. ناهيك عن القطيعة النسبية مع تطورات الفكر السياسي العالمي، اذ لم يحصل استيعاب حقيقي لمفاهيم مثل: العقد الاجتماعي، أو الإرادة العامة، أو الحقوق الدستورية... ضمن إطار تحليلي متكامل يُعيد قراءتها في ضوء السياق الإسلامي، مما أدى إلى بقاء الفكر السياسي العربي والإسلامي في حالة دفاع أو تبرير، بدل أن يكون في موقع المبادرة والإنتاج.

إن تجاوز هذه الاشكاليات يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدين والسياسة على أسس جديدة، ليكون الإنسان محور النظام السياسي، دون أن يعني ذلك إقصاء الدين أو إلغاء دوره القيمي. ولكن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال "سلطة الله" بـ"سلطة الإنسان"، بل في إعادة تعريف العلاقة بينهما، بحيث يكون الدين مصدرًا للقيم والمعايير الأخلاقية، بينما يكون الإنسان مصدر الشرعية السياسية وصاحب الحق في الاختيار والمساءلة.

وبناء على ما تقدم، يمكن تصور نموذج سياسي لبلداننا يقوم على "السيادة الشعبية المؤطرة بالقيم"، عندما لا تتحول القيم الدينية إلى أداة للوصاية، ولا تُختزل إرادة الإنسان كمجرد انعكاس لإرادة مفترضة تُفسَّر من قبل نخبة محددة. ومثل هذا النموذج يفتح المجال أمام بناء نظام سياسي يحقق التوازن بين الحرية والمرجعية الاخلاقية، وبين الإرادة الإنسانية والإطار القيمي.

ختاما، يمكن القول: إن أزمة الفكر السياسي العربي والإسلامي لا تكمن في نقص المفاهيم، بل في إدراك اتجاهها ومرتكزاتها. فبينما يتقدم هذا الفكر في إنتاج أدوات تبرير السلطة، يتراجع في بناء نظرية سياسية تُعلي من شأن الإنسان وتضعه في مركز العملية السياسية. ومن دون إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مصدرًا للشرعية وغاية للنظام السياسي ومعيارا لنجاح مؤسسات الحكم، سيبقى هذا الفكر عاجزًا عن إنتاج نموذج حديث للحكم يواكب تحولات العصر، ويحقق التوازن بين الدين والديمقراطية في آن واحد.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

ذات صلة

كيف تعرف نمط الحياة الذي يناسبك؟الألعاب الإلكترونية.. متعة مؤقتة أم تهديد دائم لمستقبل الطلاب؟العراق وإعادة تشكيل العقلية السياسيةلغز إسلام آباد: من يكسر صمت الصواريخ؟كيف استولت المقاطع القصيرة على الإنترنت؟