طلب تفسير النص الدستوري ترف ام ضرورة؟

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-04-26 02:29

بين الحين والآخر يصدر قراراً تفسيرياً عن المحكمة الاتحادية العليا بناءً على طلب مقدم من احدى السلطات الثلاث لتفسير نص معين في الدستور العراقي، وبعد ان يصدر القرار، وبلا شك سوف لن يكون على هوى ومزاج الجميع، تظهر التعليقات السلبية، ممن لا ينسجم مع طموحه، تجاه القرار لانهم يرون ان التفسير لم يكن على وفق مقتضى النص الدستوري وعلى ما يرونه هم وليس ما تراه المحكمة المختصة بذلك.

 بل في احدى المقالات التي نشرها السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان وصف احد هذه القرارات بالخطيئة، وهو وصف قاسي نسبياً، لان القرار التفسيري هو اجتهاد المحكمة التي أصدرته بتشكيلتها من القضاة ولا يمكن ان يكون خطيئة، بل قد يكون خطأ لأنه اجتهاد وهو نشاط فكري بشري قابل للخطأ لان من انتجه غير معصوم عن الخطأ، ومع ذلك يبقى له اجر الاجتهاد، على وفق الحديث النبوي الشريف (المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد) ، ولا اظن ان تجتمع الخطيئة مع الاجر الشرعي في الاجتهاد الخاطئ.

كما وجدنا ان السلطتين التشريعية والتنفيذية قد انتهجتا نهجاً في الفترة الأخيرة باللجوء الى طلب تفسير النصوص الدستورية بمناسبة او بغيرها، واخرها طلب تفسير المادتين (14 و 16) من الدستور النافذ، وعند الرجوع الى النصين وجدنا انهما ضمن المبادئ العامة لحقوق المواطن المدنية والسياسية، وكان قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 125/لسنة/2026 في 12/4/2026 قد فسر النص بإعادة عرض ما ورد في النصوص باعتبارهما من المبادئ العامة، وبين بان النصوص واضحة، ولم يرتب أي حكم يلزم فيه الجهة طالبة التفسير او رسم الية معينة للسير بموجبها.

فضلاً عن ذلك فان الضرورة تتجلى في طلب التفسير عندما يواجه النص الدستوري غموضاً يهدد استقرار الدولة، وتبرز هذه الضرورة، عند حصول نزاع حول الاختصاص، فيصبح التفسير ضرورة لمنع التداخل وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، او لسد الفراغ الدستوري عندما ظهور وقائع مستجدة لم يتوقعها كاتب الدستور في حينه، عند ذاك يكون التفسير ضرورة لضمان استمرارية المرفق العام ومصالح الدولة، واحيانا يكون التفسير ضروري لحماية الحقوق والحريات في حال النص "يعطي اكثر من قراءة بما يؤدي إلى التباين وينتج عنه هدر لحقوق المواطن.

لكن مجرد تقديم طلبات لنصوص واضحة لا لبس فيها، او لمجرد البحث عن تأصيل أكاديمي لا أثر واقعي له في الحياة اليومية، فانه بلا ادنى شك يمثل ترفاً لا ضرورة له، بل قد يستخدم الطلب كأداة للمناورة أو لتعطيل استحقاقات دستورية واضحة، مما يخرجه عن غايته القانونية. 

وفي بعض الأحيان تتصدى المحاكم او المجالس الدستورية المختص بالتفسير برفض الطلب باعتباره ترفاً غير مبرر إذا كان النص صريحاً، الا اذا كان محل نزاع بين طرفين، فانه لا يكون طلب تفسير وانما دعوى تنظرها المحكمة بمناسبة ممارسة اختصاصها في فض النزاع بين الطرفين، او بممارسة اختصاصها في الرقابة الدستورية.

كما لوحظ ان الجهات التي تطلب التفسير تتوفر على كوادر قانونية على درجة عالية من الكفاية القانونية، ومن حملة الشهادات العليا في القانون، واشخاص لهم خبرات طويلة في مجال القانون، وبلا ادنى شك فان النصوص الدستورية لن تكون عصية على فهمهم لها، ومن واجباته الوظيفية هو تقديم المشورة الى رئاسات الجهات التي يعملون بمعيتها، فضلا عن الكوادر الاكاديمية التي تعج بها الجامعات والكليات ذات الصلة بالاختصاص القانوني والدستوري، ومن المحامين الذين ينتمون الى نقابة المحامين تلك النقابة ذات الماضي التليد والتي فيها من الطاقات العلمية الكثير، سواء من شيوخ مهنة المحاماة او من كوادرها الشابة، ويمكن ان تكون جهة ساندة وداعمة لتلك الرئاسات ان تعذر على كوادرها فهم النص الدستوري.

وهذا يثير السؤال عن السبب في طلب التفسير وتلك الجهات الرسمية تملك الكوادر ذات القدرة على قراءة النص قراءة قانونية موضوعية، ولا يوجد من ينازعها في الفهم او يخالفها في التفسير، الا اذا كان الكادر القانوني والحقوقي لا يملك القدرة على فهم النصوص الدستورية، فذاك امر آخر.

وفي كل الأحوال فان المحكمة المختصة بالتفسير تتألف من عدد من القضاة من ذوي التأهيل العلمي القانوني ومن أصحاب الخبرات في مجال القانون والقضاء، وهم بلا شك زملاء لكثير من العاملين في تلك الرئاسات التي تطلب التفسير، وان ما يسطرونه في قراراتهم هو اجتهادهم الذي استنبط من النص الدستوري، وقد يكونوا بمستوى زملائهم من رجال القانون والقضاء العاملين خارج اطار المحكمة الدستورية، لكن الفرق الوحيد ان قراراتهم هي التي تكون ملزمة وهي عنوان الحقيقة الواجبة التطبيق، وما يبدى من اراء تبقى في اطارها النظري غير الملزم، ولا يختلفون عن زملائهم الاخرين بوجود مناقب لا يتوفر عليها المجتهد في فقه القانون.

لذلك أرى ان كثرة طلبات التفسير بمناسبة وبغيرها يعد ترفاً، ما لم يكن هناك من ينازع او يخالف ويشكل تباين في التفسير بين اكثر من طرف فاعل في المشهد القانوني والحقوقي، فعند ذاك يتم اللجوء الى القضاء الدستوري لطلب التفسير، حيث إن حماية المبادئ الدستورية تقتضي من المختصين في الحقل القانوني التمييز الدقيق بين ما تمليه الضرورة لإقامة العدل واستقامة الحكم، وبين ما يفرضه الترف الذي قد يستهلك وقت القضاء ويبدد قدسية النص، فضلاً عن ذلك حماية قرارات القضاء الدستوري من اثارة الاعتراضات ضدها بمناسبة وبغيرها، كذلك قد لا يأتي التفسير على هوى من طلبه مما يربك العمل في أروقة تلك الجهة طالبة التفسير.

ويذكر ان المادة (7/اولاً) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2025 قد اشترط لقبول طلب التفسير ان يكون هناك خلاف وعلى وفق النص الاتي (للسلطات والجهات المنصوص عليها في المادة (4) من هذا النظام تقديم طلب إلى المحكمة لتفسير نص دستوري أثار خلافا في التطبيق وفقا للإجراءات الآت: أولا ـــ يقدم الطلب تحريريا ويرسل إلى المحكمة بكتاب موقع من رئيس السلطة أو رئيس الجهات المنصوص عليها في المادة (٤) من هذا النظام يتضمن النص المطلوب تفسيره وسبب الطلب وماهية الخلاف الذي أثاره في التطبيق).

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

الديمقراطية والدينكيف تعرف نمط الحياة الذي يناسبك؟الألعاب الإلكترونية.. متعة مؤقتة أم تهديد دائم لمستقبل الطلاب؟العراق وإعادة تشكيل العقلية السياسيةلغز إسلام آباد: من يكسر صمت الصواريخ؟