ثقافة التعرّف
مصطفى النصراوي
2026-04-14 03:09
ثقافةُ التعرّف.. ليست مجرّد فكرةٍ عابرة، إنها أشبهُ بمفتاحٍ صغيرٍ نغفل عنه، مع أنّه قادرٌ على فتح أبوابٍ واسعةٍ من الفهم والعدل.
أن تعرف الشيء قبل أن تحكم عليه... هذه ليست دعوةً معرفية بقدر ما هي دعوةٌ أخلاقية، لأن الحكم دون معرفة ليس سوى استعجالٍ يلبس ثوبَ اليقين.
كثيرٌ من الأمور نرفضها لمجرد أنّها لم تمرّ بنا مرور الألفة، لم نجلس معها، لم نُصغِ إليها بما يكفي. فنستوحش منها كما يُستوحش من الظلام، الذي نراه مخيفاً لأننا لم نره بما يكفي لنعرف حدوده. وهنا يبدأ الخلل... حين يتحوّل الجهل إلى موقف، والموقف بعد ذلك إلى قناعة.
الإنسان عدوّ ما يجهل... كلمة قيلت ولكنها لم تُدرك كما ينبغي عند كثيرين، أية عداوةٌ هذه؟ تلك التي تتدرّج في الخفاء، تبدأ بجهلٍ بسيط ثم تتخمّر خوفاً، ثم تستحيل رفضاً وربما تنتهي عداءً صريحاً. بعبارة أخرى: نحن لا نرفض الأشياء دائماً لأنها سيئة، ولكننا لم نتعرّف عليها بما يكفي لنأمنها.
والتعرّفُ ليس فعلاً سهلاً كما يبدو... إنّه شجاعة. أن تقترب من المختلف دون أن ترفع درعك، أن تُنصت دون أن تُعدّ ردّك مسبقاً، أن تمنح الفكرة فرصةً لتُعرَف قبل أن تُحاكم. هنا فقط ينتقل الإنسان من الانطباع إلى الفهم، من تلك الومضة السريعة التي تولد في لحظة إلى إقامةٍ طويلةٍ في مساحة الإدراك.
إنّ كثيراً مما نحمله من أحكامٍ لم يولد في داخلنا، كثيرٌ منه موروث. فالبيئة تصنع زوايا النظر، والتنشئة تضع عدساتٍ على أعيننا دون أن نشعر. فنرى العالم كما أُريد لنا أن نراه، لا كما هو. وحين تأتي فكرةٌ جديدة نرفضها لأنها لا تشبه ما اعتدناه.
ومن هنا نفهم لماذا نقف ضدّ التجديد... فهل نحن ضدّه من حيث المبدأ؟ قطعا لا ولكن لأننا لم نتعرّف عليه بعد. سنبقى أعداء التجديد ما دمنا نغلق باب التعرّف، لأنّ كل جديدٍ يبدأ غريباً وكل غريبٍ يُقابل بالحذر وربما بالرفض.
والمشكلة الأعمق أن أغلب أحكامنا تولد في أدنى درجات التعرّف. نسمع فنحكم. نرى من بعيد فنقرّر. بينما التعرّف الحقيقي يحتاج إلى زمنٍ ومخالطةٍ وتجربة. هناك فرقٌ كبير بين أن تعرف الشيء من صوته أو صورته وبين أن تعرفه من جوهره.
وكم من فكرةٍ وُئدت في مهدها لأنها لم تُمنح فرصة أن تُفهم. وكم من مبدعٍ عبر التاريخ أُطفئ صوته قبل أن يصل وحُوصر بالرفض أو سُخر منه أو أُقصي... وكل ذلك لقصورٍ في ثقافة التعرّف لدى من حوله. كأن العالم أحياناً لا يقتل الإبداع بقدر ما يجهله فيكفيه ذلك ليُقصيه.
وهنا تتجلّى المأساة: في التسرّع والعجلة عن الفهم. لأن الحكم حين يسبق المعرفة يتحوّل إلى ظلمٍ هادئ... لا يُرى لكنه يترك أثره العميق.
ولعلّ بعض الناس يخشى التعرّف ظنّاً منه أنّه يهدّد هويته. مع أنّ الحقيقة على العكس تماماً، فالفهم لا يُذيب الهوية أو يختزلها في إطار واحد بل يُنضجها. كلّما اتّسعت دائرة التعرّف اتّسعت معها مساحة الوعي وصار الإنسان أقدر على أن يرى نفسه والآخرين بوضوحٍ أكبر.
في النهاية... لسنا بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الأحكام إننا بحاجة إلى مزيدٍ من التأنّي. أن نُمهل الأشياء قليلاً وأن نفتح لها باب المعرفة قبل أن نغلق عليها باب الرفض.
فكم من حقيقةٍ وقفت طويلاً على أبوابنا...
ثم انصرفت، لمجرد أننا لم نتعلّم بعد... كيف نتعرّف.