وكأننا لا نحسن إلا السجال

زكي الميلاد

2026-04-07 05:00

في يونيو 1997م، نشرت مقالة في صحيفة المستقلة اللندنية قبل تحولها إلى محطة تلفزيونية، بعنوان (خطوط الانقسام في الساحة الإسلامية.. واقع مأزوم يغذي التجزئة والإحباط والصدام)، نبهت فيها إلى خطورة ما أسميته بخطوط الانقسام التي حولت الأمة إلى مذاهب وطوائف، وفئات وجماعات متباعدة ومتخاصمة، متقاطعة ومتصادمة، ظلت تغذي في الأمة وتكرس واقع التجزئة والإحباط والصدام.

وفي ديسمبر 2003م، نشرت في هذه الزاوية مقالة أخرى بعنوان (مشكلتنا أننا نتصادم مع أنفسنا)، أثرت فيها كيف أننا كأفراد وجماعات ومجتمعات مشكلتنا أننا نتصادم مع أنفسنا بطريقة كما لو أننا في ساحة معركة نتحارب في ما بيننا، كل واحد يرى في الآخر خصماً له، وهكذا ترى كل جماعة منا الجماعة الأخرى، الأمر الذي يعني أننا نمارس الهدم في حياتنا، ولا نمارس البناء.

وختمت المقالة بالقول: إن التحدي الذي بحاجة إلى استجابة، هو في القدرة على العبور من ذهنية الانقسام إلى ذهنية التكامل، ومن منهجية الهدم إلى منهجية البناء، ومن ثقافة التصادم إلى ثقافة التضامن، وهذا يتطلب من الأمة أن تعي ذاتها، وتنظر إلى مستقبلها بمسؤولية وأفق بعيد، وأن يرفع العقلاء أصواتهم نقداً وإصلاحاً لأوضاع ينبغي أن تتغير.

وفي فبراير 2007م، نشرت مقالة في هذه الزاوية كذلك، بعنوان (هبت علينا رياح السموم) اعتبرت فيها أنه لأول مرة منذ ربع قرن على الأقل، تتكشف لنا المشكلة الطائفية والمذهبية بهذا المستوى من الظهور التي هي عليه اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية، وبهذا التوتر والتفجر الحاد والساخن، الذي بات يقلق جميع العقلاء والحكماء في الأمة، وكل المتنورين والمصلحين.

وختمتها بالقول إننا أمام محنة تضع الأمة على مفترق طرق، واليقظة والبصيرة هي التي تجنب الأمة من الانحدار، وتضعها في طريق سواء السبيل.

واليوم أرجع مجدداً إلى الموضوع نفسه، واقفاً على الواقع المر في الأمة، الذي يكاد أن يكون مستعصياً على التغيير أو التبديل.

وكأننا الأمة الوحيدة في هذا العالم المتغير التي لا تحسن إلا السجال والتراشق به، وما إن ندخل في سجال لا نعلم متى نخرج منه، وما إن نخرج منه حتى ندخل في سجال غيره، بإيذان أو بغير إيذان، وهكذا تدور الأيام بيننا، وتمضي بنا عجلة الزمن، وتتعاقب الأجيال، والمحصلة حين يذكرنا التاريخ هي سجال في سجال.

أو كأننا الأمة الوحيدة في هذا العالم المتغير التي لا كشوفات لها، ولا فتوحات ولا إبداعات وإنجازات إلا في السجال الذي نحسن صنعته، ونتقن جودته، ونزيد إنتاجيته، ونحافظ على براءة اختراعه، وندافع عن حقوق ملكيته بوصفه امتيازاً خاصاً بنا، لا ينازعنا فيه أحد، ولا نريد أحداً يشاركنا فيه.

أو كأننا الأمة الوحيدة في هذا العالم المتغير التي لا تحسن الاستفادة من ثرواتها الفكرية والعلمية، ومن العقول والأدمغة الموجود فيها، ومن عقلائها وحكمائها. فثرواتنا الفكرية والعلمية نضيعها في السجال ونهدرها بلا طائل، ونستنزف العقول والأدمغة، ونضيق عليها الأفق، وندفع بها نحو الهجرة إلى العوالم البعيدة لأن لا مكان لها في أمة لا تعرف إلا السجال، والعقلاء والحكماء لا أحد يسمع ويصغي لهم بسبب ضوضاء ومعمعة السجال، والكل يرفع صوته لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وهي السجال.

أو كأننا الأمة الوحيدة في هذا العالم المتغير التي لا يعرفنا العالم، ولا نعرف أنفسنا إلى العالم إلا بالسجال، الصين احتفلت برواد فضائها، واستقبلتهم استقبال الأبطال بعد أول مهمة للسير في الفضاء، والهند أطلقت بنجاح صاروخ تشاندرايان1، في أول مهمة فضاء غير مأهولة للقمر، وعن هذه الخطوة قال المحللون الهنود إن الهند تريد أن ينظر إليها العالم كأمة تتقدم وبإمكانها المنافسة في الفضاء أيضاً.

ونحن لا نبارز أحداً إلا في ساحة السجال، ولا أحداً يبارزنا إلا من داخلنا، هذا هو الواقع المر الذي يظهرنا وكأننا لا نحسن إلا السجال!

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة

http://www.almilad.org

ذات صلة

من الواقع الإسلامي.. النقد بين التغييب والتهميشالدلالات الدينية للحرب بين إيران وإسرائيلنحو نظام أمن إقليمي في الشرق الأوسطعنصرية إسرائيل من الداخلترامب وسيكولوجيا الكذب الأسود