الدولة الطبيعيَّة هي الحل
عبد الامير المجر
2026-03-26 03:05
بعيدا عن جلد الذات الذي مارسه وما زال يمارسه البعض، لاسيما العقائديين الذين اصيبوا بالإحباط في العقود الاخيرة، نتيجة انحسار المشاريع العقائدية بمختلف توجهاتها وتبعثر الاحلام الكبيرة وسط طوفان الفوضى، الذي عمّ عالم ما بعد انتهاء (الحرب الباردة) وانهيار المعسكر الاشتراكي، ومن ثم صعود التيار الإسلاموي وانحساره ايضا، والثمن الذي دفعته الشعوب نتيجة لذلك، نقول مرة أخرى، بعيدا عن جلد الذات وتبادل الاتهامات، التي صار البعض من العقائديين يتبادلونها ضد بعضهم البعض أو ضد منافسيهم من متبني العقائد الاخرى، نجد أن كل من اعتنق فكرا أو عقيدة أو تعاطف مع مشروع ما، بقصد الارتقاء بواقع شعبه، ودفع ثمنا شخصيا بسبب ذلك، هو مجتهد ومدفوع مسبقا بنية البناء وليس الهدم، وإن جاءت النتائج معاكسة لتطلعاته، ويجب أن يحترم، لان الحياة تتطور بالتنافس والاختلاف، وليس بالجمود الفكري واعتزال ميادين الكفاح والنضال.
لكن يجب أن نعرف جميعا، أن أهم أسباب قيام الحضارات ورقي الانسانية وتطورها هو تعلمها من التجارب التي تمر بها، بعد ان تحولها إلى دروس لكيلا تتكرر، وهو ما علينا اليوم جميعا ان نعمل عليه، أي أن نقرأ ما حصل لشعوبنا ودولنا، لنعرف كيف أن الحدة العقائدية، التي اتسمت بها سلوكيات اغلب العقائديين في بلدان منطقتنا، تسببت بالكوارث التي ما زلنا نعيش تداعياتها المرعبة. لقد كثر الحديث في العقود الاخيرة عن أن الحل يكمن في تبني الدولة لهذه العقيدة أو تلك، ومن ثم بعد الاخفاقات الكبيرة، صرنا نسمع من ينادي بالدولة المدنية أو العلمانية، والجدل الذي رافق تلك الطروحات في وسائل الاعلام والندوات الثقافية أو غيرها، فالبعض يرى مصطلح العلمانية أو المدنية يعني ابتعاد الناس أو ابعادهم عن متبنياتهم العقائدية، لا سيما المقدسة، ومن هنا نجد أن مصطلح (الدولة الطبيعية) هو الأنسب والأقرب إلى مشاعر عموم الناس الذين تستفزهم المصطلحات، التي يرونها مداخل لتغريب ثقافتهم وإبعادهم عن قيمهم المتوارثة. في عودة إلى حياة مجتمعاتنا ودولنا قبل أكثر من قرن، لم نجد مصطلحات مثل العلمانية أو المدنية أو الاشتراكية أو الشيوعية وغيرها سائدة أو متداولة، وان الحياة الطبيعية التي كان يعيشها الناس، تتمثل باحترامهم لخيارات كل منهم، الدينية والثقافية والشخصية كذلك، على الرغم من وجود تقاطعات كبيرة في طبيعة سلوكهم وتفكيرهم، اذ لم يحدثنا تاريخنا المعاصر في الاقل، عن وجود صدامات أو اعتداءات من بعضهم على البعض الآخر بفعل هذه التقاطعات، بمعنى أن الحياة الطبيعية هي سمة (الدولة الطبيعية)، التي كانت الناس تعيش في ظلها، بعيدا عن شكل السلطة ورضا الناس أو عدمه عن ادائها.
شعوبنا اليوم بأمس الحاجة إلى (دولة طبيعية)، لأن هذا هو السبيل الوحيد للإبقاء على أي بلد من بلداننا موحدا وشعبه منسجما بصدق، وخلاف ذلك فإن كل شكل من اشكال القسر الثقافي أو العقائدي، الذي تفرضه الدولة على الناس بقوة الاحزاب أو القوى المتنفذة فيها، تنتهي إلى المزيد من الكوارث، وكان كل التجارب التي مررنا بها ودفعنا ثمنها ذهبت هباء!