بغداد: حكومةٌ تنتظرُ نتائجَ المعركة
مازن صاحب
2026-03-11 05:08
لم تعد أزمة تشكيل الحكومة في بغداد نزاعاً دستورياً حول تعريف الكتلة البرلمانية الأكبر، بل أصبحت اختباراً لإرادة الدولة أمام تحولات إقليمية حاسمة. فالحكومة المقبلة معلقة على نتائج الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية، وعلى هوية القيادة الإيرانية بعد السيد علي خامنئي، وهي رهينة لحسابات القوى الإقليمية قبل أن تُنتج قرارها الداخلي.
في الظاهر، يركّز النقاش على تفسير المحكمة الاتحادية أو تعديل دستوري محتمل. لكن في العمق، يمثل التأجيل استراتيجية محسوبة. فالحسم في لحظة غموض إقليمي قد يتحول إلى مقامرة سياسية. ومع بقاء الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية مشتعلة، فإن أي خطوة كبيرة اليوم قد تصبح عبئاً على القوى العراقية غداً، حسب اتجاهات القيادة الإيرانية الجديدة.
في هذا السياق.. يلعب إقليم كردستان دوراً مزدوجاً في هذه المعادلة. فمع تكرار الهجمات على مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي، يصبح الإقليم ساحة اختبار للأمن والاستقرار، ويمثل مركز ضغط محتمل على الحكومة الاتحادية. الاتصالات والترتيبات الأمريكية مع أربيل قد تشمل إعادة فرض حماية عسكرية، وتمكين قوات البيشمركة من أسلحة دفاع جوي وطائرات قتالية، ليس كمطلب جديد، بل كاستراتيجية لضمان ملاذ آمن للإقليم والدفاع عن نفسه ضد اعتداءات متكررة لا تستطيع الحكومة الاتحادية منعها.
هذه التحركات تعكس هشاشة السلطة المركزية في بغداد وتزيد من تعقيد قدرة الحكومة المقبلة على فرض نفوذها في كامل الأراضي العراقية.
وفق ما تقدم يطرح السؤال عن السيناريوهات المرجحة.. ويمكن تشخيص أربع نهايات محتملة بما يلي:
1. تثبيت المسار الإيراني: إذا استقرت القيادة الإيرانية الجديدة على نهجها السابق، قد تتشكل الحكومة وفق التوجه الإيراني، مع احتمال تصاعد الضغوط الأمريكية والعقوبات.
2.براغماتية إيرانية: قد تخفف القيادة الإيرانية الجديدة من تدخلها، فتتيح تمرير مرشح تسوية يمنح الحكومة استقراراً نسبياً ولو ضمن توازن هش.
3.تصعيد وتحول العراق إلى ساحة ضغط: استمرار الحرب أو تحولها إلى مواجهة طويلة الأمد يجعل العراق منصة للرسائل المتبادلة، ويتعطل تشكيل الحكومة لصالح إدارة الأزمة الأمنية.
4.تحييد وطني جزئي: قد يسعى العراق إلى الحياد الإيجابي، محاولاً ضبط الفصائل، لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب وحدة سياسية وأمنية لم تكتمل بعد. كل ذلك يجدد التساؤلات عن معركة السيادة قبل السلطة..
ويبدو الرهان الحقيقي ليس في اسم رئيس الوزراء، بل قدرة العراق على اتخاذ قرار مستقل. كل يوم انتظار يضاعف الكلفة الاقتصادية والسياسية، ويضعف ثقة الشارع، ويمكّن الأطراف الإقليمية من إعادة تشكيل الواقع العراقي. في هذه المرحلة الأكثر أهمية.. تبدو الحكومة العراقية المقبلة ليست مجرد هيئة تنفيذية، بل مرآة لمدى قدرة بغداد على مواجهة الضغوط الإقليمية والحفاظ على سيادتها. وبين صخب المعارك الإقليمية وهمس التحركات السياسية، تبقى الحكومة المقبلة معلقة.. تنتظر نتائج المعركة قبل أن ترى النور... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!