ربع قرن من العبث.. الحكومات العراقية وإعادة إنتاج الفشل

د. عقيل كريم الحسناوي

2026-02-17 03:28

منذ عام 2003، لم يدخل العراق مرحلة "ما بعد الحرب" بقدر ما دخل في دوّامة مستمرة من إعادة إنتاج الفشل. فالغزو الأمريكي، الذي رُوّج له بوصفه بوابة للديمقراطية وبناء الدولة، لم يُسفر عن نظام سياسي مستقر ولا عن مؤسسات قادرة على إدارة بلد يملك من الموارد البشرية والطبيعية ما يكفي ليكون في مصاف الدول الناهضة. وعلى امتداد ما يقارب ربع قرن، تعاقبت الحكومات العراقية لا بوصفها حلقات إصلاح متراكمة، بل كمراحل متتالية من التراجع، انتقلت فيها الدولة من سوء إلى اختلال أسوء، ومن أزمة إلى أخرى أشدّ تعقيدًا.

منذ الأيام الأولى لما بعد 2003، جرى تأسيس النظام السياسي الجديد على قاعدة خاطئة: المحاصصة الطائفية والإثنية بدلًا من المواطنة والكفاءة. لم تُبنَ السلطة بوصفها تكليفًا لإدارة الشأن العام، بل كغنيمة موزّعة بين القوى السياسية. وهكذا تحوّل الانتماء الطائفي أو الحزبي إلى معيار للتوظيف، والترقية، وإدارة الموارد، فيما أُقصيت الكفاءة والخبرة لصالح الولاء. ومع مرور الوقت، لم تعد المحاصصة إجراءً مرحليًا كما قيل، بل تحوّلت إلى بنية ثابتة تحكم كل مفاصل الدولة، من رئاسة الوزراء إلى أصغر دائرة خدمية.

في ظل هذا البناء المختل، ازدهر الفساد بوصفه نتيجة منطقية لا عرضًا طارئًا. فالسلطة التي لا تُبنى على برنامج ولا تُحاسَب وفق نتائج، تتحول سريعًا إلى شبكة مصالح. تشير تقارير دولية ومحلية متعاقبة إلى ضياع مئات مليارات الدولارات منذ 2003، دون أن يقابلها أي تحسن حقيقي في البنية التحتية أو الخدمات الأساسية. لم يكن الفساد مجرد سرقات فردية، بل أصبح نظام حكم: عقود وهمية، مشاريع متلكئة، رواتب مزدوجة، ووزارات تُدار كمزارع حزبية مغلقة.

ومن بين أكثر مظاهر الفشل فداحة، تبقى أزمة الكهرباء المثال الأوضح على عجز الحكومات المتعاقبة. فبلد يملك ثاني أو ثالث أكبر احتياطي نفطي في المنطقة، ويُهدر مليارات الدولارات سنويًا على هذا القطاع، لا يزال عاجزًا عن توفير طاقة مستقرة لمواطنيه. تعاقبت الخطط، وتبدلت الوعود، وتغيّر الوزراء، وبقي الظلام حاضرًا كل صيف، وكأن الكهرباء تحوّلت من خدمة أساسية إلى رمز لفشل الدولة نفسها. هذه الأزمة ليست تقنية، بل سياسية وإدارية، تعكس غياب التخطيط، وفساد العقود، وتضارب المصالح، وافتقار الدولة إلى قرار سيادي مستقل في إدارة مواردها.

وفيما يتعلق بالاقتصاد، لم تستطع الحكومات العراقية بناء اقتصاد وطني منتج، بل كرّست اعتمادًا شبه كامل على النفط. ومع كل أزمة أسعار عالمية، تنكشف هشاشة النظام المالي، وتتضخم البطالة، ويُضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة. لم تُستثمر عائدات النفط في الصناعة أو الزراعة أو التعليم، بل ذهبت في معظمها إلى الرواتب، والإنفاق الاستهلاكي، وشبكات الفساد. وهكذا أصبح العراق دولة ريعية بلا رؤية، تُنفق أكثر مما تُنتج، وتستورد حتى أبسط احتياجاتها، رغم امتلاكها أرضًا خصبة وطاقات بشرية معطّلة.

ويشير تقرير التنمية والمناخ في العراق الذي أعدته مجموعة البنك الدولي نهاية سنة 2022 ان العراق يحرق 1.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي يومًا، ويعوضها باستيراد مليار متر مكعب من الغاز يومًا من إيران لاستخدامها في توليد الطاقة.

وعلى الصعيد الأمني، فرغم الانتصارات العسكرية المهمة التي تحققت ضد الإرهاب، لم يتحول الأمن إلى حالة مؤسسية مستقرة. فما زال السلاح خارج إطار الدولة حاضرًا، وما زالت القرارات الأمنية خاضعة لتوازنات سياسية وإقليمية، لا لسلطة قانون موحدة. هذا الوضع أبقى العراق في حالة قلق دائم، حيث يتقاطع الداخلي بالخارج، وتُستعمل الساحة العراقية لتصفية حسابات لا علاقة للمواطن بها، بينما يدفع هو وحده ثمن انعدام الاستقرار.

اجتماعيًا، أدّت هذه السياسات إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة. لم يعد العراقي يرى في الحكومة ممثلًا لإرادته أو حاميًا لحقوقه، بل سلطة بعيدة، عاجزة، أو متواطئة. تصاعدت الهجرة، خاصة بين الشباب والكفاءات، وازدادت مشاعر الإحباط واليأس، فيما تحوّلت الاحتجاجات الشعبية —من 2011 إلى 2019 وما بعدها— إلى صرخات متكررة ضد نظام لا يسمع إلا تحت الضغط، ولا يُصلح إلا بالحد الأدنى الذي يضمن بقاءه.

اللافت أن معظم الحكومات المتعاقبة رفعت شعارات الإصلاح، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة، لكنها فشلت لأنها لم تمسّ جوهر المشكلة وهي بنية النظام السياسي نفسه. فلا يمكن لحكومة أن تُصلح نظامًا هي جزء من علّته، ولا يمكن لمحاصصة أن تنتج دولة، ولا لفساد مؤسسي أن يُعالج بلجان شكلية.

إن حصيلة ربع قرن من الحكم بعد 2003 تكشف حقيقة مُرّة: المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في النموذج. نموذج حكم قام على تقاسم السلطة لا على بناء الدولة، وعلى إدارة الأزمات لا حلّها، وعلى ترحيل الفشل من حكومة إلى أخرى. ولهذا بدا المسار العام وكأنه انتقال "من سيّئ إلى أسوأ"، لا لأن الزمن لا يسمح بالإصلاح، بل لأن الإرادة السياسية الحقيقية غابت، واستُبدلت بإرادة البقاء في السلطة بأي ثمن.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع، على قسوته، لا يعني أن العراق محكوم بالفشل الدائم. لكنه يعني أن أي أمل بالخروج من هذا المسار يتطلب قطيعة حقيقية مع منطق المحاصصة، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وسيادة القانون، والمساءلة، والكفاءة. فالدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالموازنات الضخمة، بل بإرادة سياسية ترى في السلطة خدمة لا غنيمة، وفي المواطن غاية لا وسيلة.

إن ربع قرن من العبث يجب أن يكون درسًا، لا قدرًا. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تملك الفرص وتهدرها، لكنه أيضًا يفتح الباب دائمًا لمن يملك الشجاعة ليعترف بالفشل… ويبدأ من جديد.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

شهر رمضان وتحقيق الأهدافكسر الساعة الدستورية: صراع الأعراف وتعليق الاستحقاقاتأنماط العنف وطبيعتهأمريكا الخائفةمهارات التدريس الفعّال: ركائز التعلم العميق