إشكالية تشكيل الحكومة في العراق
مقاربة تحليلية للتجاذبات السياسية البنيوية
د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر
2026-02-16 05:16
مقدمة
منذ التحول السياسي الذي شهده العراق بعد العام 2003، أضحت عملية تشكيل الحكومة واحدة من أكثر المراحل تعقيدا وإشكالية في المسار السياسي العراقي، إذ لم تعد هذه العملية تمثل استحقاقا دستوريا ناتجا عن نتائج الانتخابات فحسب، إنما تحوّلت إلى أزمة بنيوية متكررة تعكس اختلالات عميقة في بنية النظام السياسي وآليات عمله.
وتبرز إشكالية تشكيل الحكومة بوصفها نتاجا مباشرا لتشابك عوامل داخلية، سياسية ودستورية، مع مؤثرات إقليمية ودولية على السواء، ما جعل من كل دورة تشكيل حكومي اختبارًا حقيقيا لقدرة النظام السياسي على الاستقرار والاستدامة.
أولاً- الإطار البنيوي للنظام السياسي العراقي:
تنبع إشكالية تشكيل الحكومة في العراق أساسا من طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق السياسي (المحاصصة)، إذ بدلا من مبدأ الأغلبية البرلمانية الواضحة، فقد جرى تكريس نموذج سياسي يرتكز على توزيع السلطة وفق اعتبارات مكوناتية وحزبية، الأمر الذي أضعف مفهوم التداول السلمي للسلطة، وحوّل العملية السياسية إلى ساحة مساومات مستمرة.
فضلًا عن ذلك فقد أسهم غموض بعض النصوص الدستورية، ولا سيما تلك المتعلقة بتحديد الكتلة النيابية الأكبر، في فتح المجال أمام تفسيرات متباينة تخضع غالبا للقراءات السياسية لا القانونية، ما أدى إلى تعطيل مسارات التشكيل الحكومي وإطالة أمدها.
ثانياً- التجاذبات السياسية وصراع المصالح:
تتجلى التجاذبات السياسية في العراق من خلال صراع الإرادات بين الكتل الفاعلة، إذ تسعى كل جهة إلى تعظيم مكاسبها داخل السلطة التنفيذية، بغضّ النظر عن التوافق مع البرامج الحكومية أو الأولويات الوطنية. وغالبا ما يُنظر إلى الحكومة بوصفها أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي، لا وسيلة لإدارة الدولة وتقديم الخدمات.
ويعزز من حدة هذه التجاذبات غياب الثقة بين القوى السياسية الفاعلة، الناتج عن تجارب حكومية سابقة اتسمت بالإخفاق وسوء الإدارة، فضلا عن ضعف المؤسسات الرقابية والقضائية في فرض المساءلة.
ثالثاً- إشكالية الأغلبية والتوافق:
يمثل الجدل حول تشكيل حكومة أغلبية سياسية مقابل حكومة توافق وطني إحدى أبرز الإشكاليات البنيوية في العراق، فبينما يُنظر إلى حكومة الأغلبية بوصفها خطوة باتجاه ترسيخ الديمقراطية البرلمانية، تخشى قوى سياسية عديدة من أن يؤدي هذا الخيار إلى الإقصاء السياسي وتهديد التوازنات القائمة.
وفي المقابل، أثبت نموذج التوافق الشامل عجزه عن إنتاج حكومات فاعلة، إذ غالبا ما تكون هذه الحكومات ضعيفة هشة، متعددة الولاءات، غير قادرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية، مما ينعكس سلبا على الأداء الحكومي والاستقرار السياسي.
رابعاً- التأثيرات الإقليمية والدولية:
لا يمكن مقاربة إشكالية تشكيل الحكومة العراقية بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، حيث يتأثر المشهد السياسي العراقي بتقاطعات المصالح بين القوى الإقليمية والدولية. وغالبا ما تنعكس هذه التأثيرات على مواقف بعض القوى السياسية الداخلية، سواء عبر الدعم المباشر أو غير المباشر، ما يسهم ويعزز في تعقيد عملية التوافق الوطني.
وتزداد حدة هذه التأثيرات في فترات التصعيد الإقليمي، الأمر الذي يجعل من العراق ساحة لتبادل الرسائل السياسية، ويؤخر حسم الاستحقاقات الدستورية.
خامسا- تداعيات الأزمة على الاستقرار السياسي:
إن استمرار إشكالية تشكيل الحكومة يترك آثارا سلبية عميقة على بنية الدولة والمجتمع، لعل من أبرزها:
1- تآكل الثقة الشعبية بالعملية السياسية.
2- شلل مؤسسات الدولة وتعطّل المشاريع التنموية.
3- تصاعد الاحتجاجات الشعبية وعدم الاستقرار الأمني.
4- إضعاف السيادة الوطنية وتنامي أدوار الفاعلين غير الرسميين.
5- كما يؤدي الفراغ الحكومي أو الحكومات الهشة إلى إرباك السياسة الخارجية العراقية، ويقلص من هامش الحركة الدبلوماسية للدولة.
سادساً- آفاق المعالجة والإصلاح:
تتطلب معالجة إشكالية تشكيل الحكومة في العراق مقاربة شاملة تبدأ بإصلاح الإطار الدستوري، وتحديداً ما يتعلق بآليات التكليف والتشكيل. فضلا عما تقتضيه من إعادة النظر في قانون الانتخابات والأحزاب، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية والتنفيذية.
وهنا لا بد من ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على البرامج والكفاءة، بدلا من منطق التوافق (المحاصصة) والترضيات السياسية، وهو ما يتطلب إرادة سياسية حقيقية ودعما مجتمعيا واسعا.
خاتمة
تخلص هذه المقاربة التحليلية إلى أن إشكالية تشكيل الحكومة في العراق ليست أزمة ظرفية أو مرتبطة بدورة انتخابية بعينها، بل هي أزمة بنيوية تعكس خللا عميقا في طبيعة النظام السياسي وآليات عمله. ومن غير إصلاحات هيكلية جادة، ستظل عملية تشكيل الحكومات تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج الأزمات ذاتها، وتُضعف فرص بناء دولة مستقرة قادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، وتأسيسًا عليه قد تكون عملية استدامة هذا النظام أو النموذج السياسي لفترة طويلة محل شك كبير.