البيع العشوائي: ترحيل مؤقت يتبعه عودة حتمية

مصطفى ملا هذال

2026-02-04 03:25

في كل مرة تعلن فيها الجهات البلدية عن حملة لترحيل أماكن البيع العشوائي، يتنفس الشارع الصعداء مؤقتاً؛ ذلك أن الطرق تفتح وتصبح قابلة للحركة أكثر مقارنة بالوضع السابق، فضلاً عن أن الترحيل يعيد للمدينة مظهرها الحضاري الذي سرقته منها أماكن البيع العشوائي المنتشرة على مداخل المدن لتعطي رسائل سلبية لزوار المدينة القاصدين من مختلف مناطق البلاد.

في المدن التي تحترم مكانتها التاريخية والدينية وغيرها من الجوانب، ينتشر على مداخلها ما يشير إلى العمق التاريخي لهذه المدينة أو المكانة الدينية التي تتمتع بها؛ إذ تعطي لمن يزورها أول مرة انطباعاً أولياً عن هويتها، بصرف النظر عن نوع تلك الهوية. فمثلاً إذا كانت المدينة تشتهر بالحرف اليدوية، نلاحظ انتشار الشواهد التي تدلل على عمقها الأثري أو المهني، بينما إذا كانت تشتهر بزراعة محصول معين، فمن الطبيعي أن تجد ما يشير إلى هذا الاشتهار، وهكذا الحال بالنسبة لبقية المهن والصناعات، لكن من يدخل إلى أغلب مدننا العراقية يرى العكس من ذلك.

يرى جزرات وسطية يشغلها بائعون متجولون، يقفون بطريقة غير منظمة، أقرب إلى الفوضى من الانتظام، قلقون على أماكنهم التي تتعرض للتغيير والمطاردة من قبل الجهات المعنية في المدينة، التي تحاول وعلى مدار الوقت أن تحافظ على المظهر الجميل لتلك المداخل، وهو ما يعطي ارتياحاً لدى الأهالي. غير أن هذا الارتياح لا يلبث أن يتلاشى، فبعد أيام قليلة فقط تعود البسطات والعربات إلى مواقعها السابقة، وكأن ما جرى لم يكن سوى استراحة قصيرة في صراع طويل بين السلطة والواقع.

ظاهرة العودة السريعة للبائعين العشوائيين تطرح تساؤلات عميقة حول جدوى الحلول المعتمدة حتى الآن؛ فالحملات المفاجئة وإن كانت ضرورية أحياناً لفرض القانون، إلا أنها غالباً ما تُدار بعقلية الإزالة لا المعالجة؛ إذ يتم ترحيل الباعة من دون توفير بدائل حقيقية، الأمر الذي يدفعهم - تحت ضغط الحاجة المعيشية - إلى العودة مجدداً إلى الشارع، باعتباره مصدر رزقهم الوحيد.

من زاوية اجتماعية، لا يمكن فصل البيع العشوائي عن البطالة، وضعف الفرص الاقتصادية، وتراجع قدرة السوق النظامية على استيعاب آلاف العاملين في المهن الهامشية. ولو دققنا في الكثير من هؤلاء الباعة لوجدناهم ليسوا خارجين عن القانون بدافع التحدي، بل مدفوعين بغياب الخيارات، ولذلك فإن التعامل معهم بوصفهم مشكلة تنظيمية فقط يؤدي إلى تدوير الأزمة لا حلها.

أما من الناحية الحضرية، فإن انتشار البيع العشوائي يُخل بالتخطيط العمراني، ويؤثر في حركة السير إلى جانب تشويهه للمشهد العام للمدن، فضلاً عن منافسته غير المتكافئة للمحال النظامية التي تدفع الإيجارات والضرائب. ويبقى هذا التعارض بين حق البائع في العيش وحق المدينة في النظام هو جوهر الإشكال القائم.

المعطيات تشير بوضوح إلى أن الظاهرة مرشحة للتفاقم ما لم يحدث تحول جذري في طريقة التعامل معها؛ فالنمو السكاني وازدياد معدلات البطالة، واستمرار الهجرة من الريف إلى المدن، كلها عوامل ستُغذي البيع العشوائي، وتجعل الحملات الموسمية أقل تأثيراً بمرور الوقت.

إذاً ما هو الحل؟ الحل لا يكمن في الترحيل وحده، بل في بناء استراتيجية شاملة تقوم على عدة محاور؛ أول هذه المحاور هو إنشاء أسواق بديلة منظّمة، تُخصص للبائعين العشوائيين بأسعار رمزية، وفي مواقع مدروسة لا تعيق الحركة ولا تضر بالمشهد الحضري. هذه الخطوة إن نُفذت بجدية يمكن أن تحول البائع من عبء إلى عنصر منتج ضمن الاقتصاد المحلي.

دائماً ما تفشل حملات إزالة البيع العشوائي؛ وذلك لأن مثل هذه الحملات جاءت نتيجة قرارات سريعة، لم تخضع لدراسة حقيقية وفق رؤية متكاملة توازن بين القانون والعدالة الاجتماعية، ودون ذلك ستبقى الأرصفة مسرحاً لعودة متكررة، تعكس فشل الحلول أكثر مما تعكس عناد الباعة.

ذات صلة

التأسيس لدولة العدل بظهور الإمام المهدي(ع)دولة الأخلاق المهدوية: ميثاق النجاة في عصر الانهيار القيميتجربة العلاقة بالقائد الغائبمعالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر‏واشنطن وطهران وحسابات اللحظات الأخيرة قبل الصدام