ترشيح المالكي وخيارات الخروج من الأزمة

مصطفى ملا هذال

2026-02-01 05:52

يواصل الإطار التنسيقي تمسكه بترشيح نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، في خطوة تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات السياسية جدلاً في العراق بعد عام 2003. هذا الإصرار لا يأتي في فراغ، بل في سياق سياسي داخلي معقد، وضغوط خارجية متصاعدة، لا سيما مع ما يُتداول عن مواقف أمريكية متشددة تُلمح إلى عدم القبول بأي حكومة يقودها المالكي، واعتبار أن العراق لا يمكن أن يحقق الاستقرار والازدهار في ظل عودته إلى السلطة.

على الصعيد الداخلي فإن لهذا الترشيح والبقاء عليه دلالات كثيرة أبرزها أن القرار لا يقوم فقط على حسابات انتخابية أو برلمانية، بل على اعتبارات تتعلق بتوازنات النفوذ داخل البيت الشيعي، فالمالكي رغم تراجع شعبيته جراء الأحداث التي حصلت إبان توليه رئاسة الحكومة عام 2014، إلا أنه ما يزال يمتلك شبكة تنظيمية قوية، ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة، وقدرة على إدارة التحالفات الصلبة، وهو ما يجعله خياراً مضموناً لبعض أطراف الإطار في مواجهة المجهول.

لكن هذا الخيار في المقابل، يعكس عجز الإطار عن تقديم مرشح توافقي أقل استفزازاً للشركاء السياسيين من المكونات الأخرى، وفي مقدمتها أبناء المكون السني، الذين أبدوا تحفظاً رسمياً على هذا الترشيح، باعتبار شخصية المالكي من الشخصيات الجدلية التي يرتبط وجودها بوجود الأزمات.

أما على الصعيد الخارجي والموقف الدولي فإن التلويح الأمريكي بعدم القبول بترشيح المالكي، حتى وإن لم يصدر في بيانات رسمية مباشرة، يندرج ضمن سياق أوسع من الرسائل السياسية والدبلوماسية التي تُرسل عبر القنوات المختلفة، فواشنطن ومعها أطراف دولية أخرى، تنظر إلى تجربة المالكي السابقة بوصفها مرحلة شهدت تصاعد الطائفية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة.

وتخشى الولايات المتحدة من أن تؤدي عودة المالكي إلى تعقيد العلاقة مع العراق، سواء على مستوى الدعم الاقتصادي، أو التعاون الأمني، أو جذب الاستثمارات، كما أن هذه العودة قد تعزز الانقسام الداخلي، وتضعف صورة العراق كدولة تسعى إلى التوازن في علاقاتها الخارجية، لا سيما في ظل الصراع الإقليمي والدولي المحتدم.

ما هي التداعيات المحتملة للإصرار على الترشيح؟ إن استمرار الإطار التنسيقي في فرض هذا الخيار قد يترتب عليه عدد من التداعيات الخطيرة، أبرزها، قد يؤدي إلى تعميق الانسداد السياسي ذلك أن القوى الرافضة للمالكي، سواء داخل البرلمان أو خارجه، قد تلجأ إلى تعطيل تشكيل الحكومة، ما يعني استمرار حكومة تصريف الأعمال وشلل القرار التنفيذي. كما من المحتمل تصاعد الاحتقان الشعبي في المناطق التي لا تزال تتذكر سنوات حكم المالكي، وقد ينظر سكان هذه المدن إلى عودته على أنها خطوة استفزازية، ما يفتح الباب أمام احتجاجات جديدة. علاوة على ما تقدم فقد ينتج عن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزلة دولية نسبية حتى وإن تشكلت الحكومة، فإنها قد تواجه بروداً أو تحفظاً دولياً ينعكس على الدعم الدبلوماسي، وأخير هذه التداعيات هو اهتزاز الثقة بالعملية السياسية.

هل من خيارات أخرى للخروج من الأزمة؟ رغم تعقيد المشهد، لا تزال هناك خيارات يمكن أن تسهم في تفكيك الأزمة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، منها طرح مرشح توافقي جديد من داخل الإطار التنسيقي، يمتلك خبرة إدارية، لكنه غير متورط في صراعات الماضي، وقادر على طمأنة الداخل والخارج.

إصرار الإطار التنسيقي على ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لولاية ثالثة لا يمثل مجرد خلاف سياسي عابر، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الطبقة السياسية على قراءة المتغيرات الداخلية والخارجية، لا سيما وإن العراق اليوم بحاجة إلى قيادة تقلل من الأزمات لا أن تعيد إنتاجها، وتبحث عن الاستقرار لا عن الغلبة.

ذات صلة

التبليغ الديني بين التأصيل العلمي والتجسيد العمليموقف دول الخليج العربية من الصراع الاميركي–الإيرانيما سبب الهوس الشعبي بالفضائح الجنسية؟تحوّل الهويَّة إلى معطى رقميالسيادة في عصر التشابك الدولي