مجلس النواب وتشكيل اللجان التحقيقية بحق المؤسسات الرسمية

القاضي سالم روضان الموسوي

2026-01-29 03:28

هل يجوز لمجلس النواب تشكيل لجان تحقيقية بحق المؤسسات الرسمية والموظفين المحليين في المحافظات غير المنتظمة بإقليم.. قراءة في ضوء القرارات التفسيرية للمحكمة الاتحادية العليا؟

نشر موقع المحكمة الاتحادية العليا القرار التفسيري العدد 9/اتحادية/2026 في 26/1/2026 وجاء التفسير بناء على طلب محافظ واسط إضافة لوظيفته بتفسير المادة (61/ثامناً) من الدستور وبيان الصلاحيات الرقابية المخولة له هل تجيز تشكيل لجان تحقيقية بحق المؤسسات الرسمية والموظفين المحليين لا سيما العاملين ضمن السلطات التنفيذية المحلية في المحافظة، وكان التفسير الذي ورد في القرار أعلاه على وفق الاتي (يحق لمجلس النواب بموجب المادة (٦١/ ثانياً) تشكيل اللجان التحقيقية بحق المؤسسات الرسمية والموظفين المحليين العاملين في السلطة التنفيذية المحلية لاستجلاء الحقيقة وبيان مدى كفاءتها في أداء مهامها وله أن يطلب من هذه المؤسسات النظر في موضوع معين من دون أن يكون له إصدار أوامر لهذه المؤسسات بشكل يخرق مبدأ الفصل بين السلطات)، ومن الجدير بالذكر فان المحكمة الاتحادية سبق لها وان تصدت لتفسير المادة (61) من الدستور في اكثر من قرار منها القرارات التفسيرية العدد (90/اتحادية/2017) و (119/اتحادية/2017) و 245/اتحادية/2024) واخرها القرار محل القراءة العدد (9/اتحادية/2026).

وحيث ان القرار الأخير قد أشار الى إمكانية تشكيل مجلس النواب اللجان التحقيقية بحق المؤسسات الرسمية والعاملين في السلطة التنفيذية المحلية، بينما في القرارات التفسيرية السابقة كانت قد فسرت النص على خلاف ذلك وسأعرض المبادئ التي وردت فيها على وفق الاتي:

1. القرار التفسيري العدد (90/اتحادية/2017): وقضى بان يقتصر الدور الرقابي لمجلس النواب على توجيه الأسئلة النيابية الى المحافظ ورئيس مجلس المحافظة فقط.

2. القرار التفسيري العدد (119/اتحادية/2017): جاء فيه تحديد نطاق رقابة مجلس النواب بواسطة الاستجواب على العناوين الوظيفية التي وردت في المادة (61/ثامنا) من الدستور فقط وهم مسؤولي الهيئات المستقلة فقط، ولا يمتد هذا الاختصاص بالاستجواب الى المحافظ او رئيس مجلس المحافظة وانما يخضعون للاستجواب على وفق النصوص القانونية التي تنظم احوالهم في قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008.

3. القرار التفسيري العدد (245/اتحادية/2024): حيث أشار الى ان اختصاص مجلس النواب بالرقابة على المحافظات غير المنتظمة بإقليم يكون من خلال المتابعة والتقييم فقط. 

وللوقوف على الاتجاه التفسيري تجاه المادة (61) من الدستور الذي أجاز لمجلس النواب تشكيل اللجان التحقيقية بحق المؤسسات في المحافظات اعرض له على وفق الاتي:

أولا: مبادئ القرارات التفسيرية:

1. هل يعتبر القرار التفسيري العدد (9/اتحادية/2026) في 26/1/2026 عدول عن اتجاهاتها السابقة؟ الجواب ان من خلال مضمون التفسير الوارد في القرار أعلاه أجاز تشكيل اللجان التحقيقية، بينما في جميع القرارات السابقة كان يحدد اختصاص مجلس النواب بالرقابة على الحكومات المحلية ومجالسها بتوجيه الأسئلة النيابية الى (المحافظ ورئيس مجلس المحافظة) فقط بموجب القرار (90/اتحادية/2017).

2. ان المحكمة الاتحادية العليا لا تجيز استجواب المحافظ وأعضاء ورئيس مجلس المحافظة عن طريق الاستجواب وقيد هذه الرقابة بمسؤولي الهيئات المستقلة فقط وعلى وفق قرارها العدد (119/اتحادية/2017).

3. ثم أوضحت بشكل جلي بان رقابة مجلس النواب على المحافظات غير المنتظمة بإقليم تكون من خلال المتابعة والتقييم فقط وعلى وفق ما ورد في قرارها (245/اتحادية/2024).

ومن خلال هذا التدرج الزمني لقرارات التفسير التي أصدرتها المحكمة الموقرة نجد انها لم تتعدى الى تشكيل اللجان التحقيقية، لذلك ينهض السؤال هل انها عدلت عن قرارتها السابقة، مع ان نظامها الداخلي النافذ رقم 1 لسنة 2025 قد الغى هذا الاختصاص الذي اشترطتها لها بموجب نظامها الداخلي الملغى رقم (1 لسنة 2022) ؟ ومع ذلك فاذا كانت قد سعت الى تغيير قراءتها لنص المادة (61) من الدستور، فهو عدول ولابد من توضيح ذلك في القرار التفسيري الأخير حتى يكون ناسخا لجميع التفاسير التي كانت قد أصدرتها سابقاً، حيث ان بقاء جميع القرارات بقوتها الملزمة للكافة بموجب المادة (94) من الدستور سوف يخلق الارباك عند التطبيق والتنفيذ،

ثانيا: طبيعة تشكيل اللجان التحقيقية

1. اما عن تشكيل اللجان التحقيقية، فان موضوعها في العادة يكون من قبل الإدارة وتكون من صلاحية الوزير او رئيس الدائرة، بمعنى تشكل من قبل المسؤول التنفيذي الأعلى وعلى وفق ما اشارت اليه المادة (1/خامساً) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1991 المعدل وبموجب الالية التي نظمتها المادة (10) من القانون أعلاه، وبهذا النص فان اللجنة التي ورد ذكرها في القرار التفسيري لن تكون لجنة تحقيق اداري اطلاقاً.

2. عبارة التحقيق، حيث جاء في القرار التفسيري تشكيل اللجان التحقيقية، فان التحقيق يكون في صورتين اما تحقيق قضائي، وهو الذي تقوم به محاكم التحقيق التي ترتبط بمجلس القضاء للتحقيق بوجود شبه جنائية ويترتب عليها اتخاذا إجراءات من القضاء منها الاستقدام وامر القبض ومن ثم قرارات التوقيف واخلا السبيل، بينما اللجان التي أشار اليها القرار التفسيري، محل القراءة، لم يكن التحقيق تحقيقاً قضائياً اطلاقاً.

3. في حال التحقيق الإداري فان التحقيق الذي تجريه اللجان التحقيقية التي تشكل بموجب المادة (1/رابعاً) من قانون انضباط موظفي الدولة الملمع عنها في أعلاه، والتحقيق الذي ورد في القرار التفسيري لم يكن من لجنة مشكلة بموجب قانون انضباط موظفي الدولة.

ثالثاً: الخلاصة

1. ومن خلال العرض نجد ان مد نطاق الرقابة البرلمانية بآليات غير منصوص عليها في الدستور سوف يتقاطع مع التشريعات النافذة، فضلاً عن ذلك يتقاطع مع القرارات التفسيرية السابقة، ومن الأمور التي قد تحدث بان تقرر اللجان التي اجازها القرار التفسيري امراً معينا تجاه موظف تنفيذي او مؤسسة من مؤسسات السلطة التنفيذية المحلية، ثم أصدرت لجان إدارية أخرى مشكلة بموجب قانون انضباط موظفي الدولة قرار مخالف، ما هو الفيصل بينهما، وهل يجوز ان تقرر تقصير موظف وتفرض عليه العقوبة، ام توصي الى المسؤول التنفيذي بفرض العقوبة الانضباطية؟

2. مع التنويه الى ان المحكمة الموقرة في قرارها التفسيري العدد 225/اتحادية/2025 في 24/12/2025 قد انكرت على رئيس مجلس الوزراء ان يشكل لجنة تحقيقية بحق أي موظف تنفيذي، وانما لابد وان يكون بواسطة الوزير المختص وعلى وفق ما جاء في القرار أعلاه الذي جاء فيه (ان الصلاحيات الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء بمقتضى أحكام المادتين (۷۸) و (۸۰) من الدستور، لا يمكن أن تعني صلاحية مطلقة بتشكيل اللجان التحقيقية أو فرض العقوبات الانضباطية بشكل مباشر على موظفي الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة كافة، الذين لا يرتبطون إدارياً برئاسة مجلس الوزراء عملاً بمبدأ الاختصاص الأصيل للرئيس الإداري المباشر، لذا فإن ما ورد بالقرار التفسيري الصادر عن هذه المحكمة هو أن يمارس رئيس مجلس الوزراء دوره الانضباطي تجاه موظفي الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة من خلال الطلب الى الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة بتشكيل لجنة تحقيقية تتولى التحقيق مع الموظف المحال عما نُسب إليه من مخالفات تتعلق بالوظيفة، ويكون لرئيس مجلس الوزراء متابعة سلامة الإجراءات وضمان خضوعها لأحكام القانون من دون أن يحل محل الرئيس الإداري المباشر في تشكيل اللجان)، مع ان رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة وعلى وفق احكام المادة (78) من الدستور، بينما في قرارها التفسيري العدد (9/اتحادية/2026) في 26/1/2026 قد منحت هذا الحق الى السلطة التشريعية على الرغم مما ورد في قرارتها التفسيرية السابقة الملمع عنها في أعلاه.

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

لماذا سوَّدوا وجهَ التاريخمركز الفرات ناقش.. تشكيل الحكومة العراقية بين الضغوط الاميركية والنفوذ الإيرانيأزمة ترشيح المالكي والصدام المحتمل مع واشنطنالشرق الأوسط أمام فريقين متنافسين جديدينلماذا لا يعود المسؤول العراقي إلى حياته الطبيعية بعد انتهاء منصبه؟