ما يجب أن نعرفه

عبد الامير المجر

2026-01-28 02:45

من الامور التي استوقفتني عند قراءاتي في التاريخ السياسي للعالم، ان هناك ثوابت عند الغرب الأوروبي، تمتزج فيها العقائد الدينية والثقافية بالمصالح السياسية والاقتصادية، وأستطيع القول ان الغرب بشكل عام، لاسيما دوله الكبيرة والمؤثرة، قد تختلف على الكثير من الأمور في ما بينها، لكنها تتفق على ثوابت معينة تجاه الشرق ومنطقتنا تحديدا.

لقد خلصت إلى أن هناك ثلاثة ثوابت في سياسة الغرب الخارجية تجاهنا، وهي التصدي لأي مشروع وحدوي تركي (طوراني) لأن ذلك يعيد إلى الاذهان الدولة العثمانية ومداهمتها أوروبا وما كانت عليه لأكثر من ستة قرون خلت، وان اتحاد الدول ذات الخلفية الثقافية التركية الممتدة من اعماق اسيا إلى البحر المتوسط، لا يمكن السماح به مطلقا، ولعل الساسة الاتراك يدركون ذلك وصاروا يتعاملون معه كأمر واقع.

الثابت الثاني هو عدم قيام أي اتحاد بين أي بلد عربي وآخر لاسيما المنطقة الممتدة من مصر إلى العراق، وتعزز هذا الثابت وبات مقدسا في الغرب بعد قيام “إسرائيل”، وقد كان فشل أي محاولة للوحدة سابقا ليس فقط بسبب عدم جدية الانظمة العربية التي رفعت ذلك شعارا، بل ايضا لأن الغرب وأميركا لن يسمحوا بذلك. الثابت الثالث هو ان الخارطة التي رسمتها أوروبا لمنطقتنا مطلع القرن الماضي، على خلفية الحملة الكولونيالية، لا يمكن تغييرها أو اللعب بها ولو بشكل جزئي خارج رغبة الغرب، لأنها ليست خطوطا جغرافية فقط وانما جيوسياسية، لحفظ المصالح الحيوية للغرب وفي مقدمتها ثروات الطاقة التي من خلالها لا تضمن تلك الدول تدفق هذه السلع الحضارية فقط، وانما التحكم بأسعارها عالميا، وان وصفنا لهذا النظام بانه عميل جاء به الغرب وذاك النظام رجعي أو غيرها من الاوصاف الجاهزة، يعكس قراءتنا الانفعالية للسياسة ويعبر عن عجزنا في مواجهة هذه القوة الحضارية الكبيرة، التي رسمت لنا مستقبلنا قبل اكثر من قرن، بكل ما رافق حملتهم تلك من حسنات تمثلت بإدخالنا الحداثة السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها، أو سيئات تمثلت بما تركوه لنا من مشاكل حدودية أو تعسف في تقسيم بعض المناطق، صرنا نعاني منها ومازلنا ندفع ثمنها إلى اليوم، لانهم يرون تلك (المشاكل) بمثابة طرق نيسمية سرية يرجعون من خلالها الينا حين يجدون ضرورة لذلك!

ومن ضمن ثوابت الخارطة الجيوسياسية، التي يصعب تغييرها هو وضع الشعب الكردي، الذي تعرض إلى انواع مختلفة من الأذى طيلة قرن مضى، لأن الذي يقرأ مخرجات الحرب العالمية الاولى وما جرى في كل من تركيا وإيران، وكيف اصبح وضعهما السياسي وطبيعة علاقتهما بالغرب لاحقا، سيدرك أن من شبه المستحيل اقامة دولة كردية.

وان كفاح الكرد للحصول على الدولة، يجري استثماره دائما لتحقيق أهداف بعيدة تماما عن حلمهم، ودائما ما يجد زعماء الكرد في البلدان الأربعة تركيا وإيران والعراق وسوريا، أنفسهم أمام خيبات كبيرة، لأن دول الغرب واميركا لا يرون مصلحة لهم في تغيير خارطة هذه الدول الاربع، وعليه فإن خيبة الكرد الأخيرة في سوريا بعد ظنهم أن حلفهم مع الأميركان سيوصلهم إلى دولة تتصل بكردستان العراق، كان متوقعا من قبل المحللين الاستراتيجيين، لأن مسعى الأميركان في الأساس هو تغيير الواقع السياسي والثقافي في سوريا بنيويا، وليس تغيير نظامها فقط، كما يتصور البعض وكانوا بحاجة إلى الجهد العسكري الكردي كجزء من تكتيكات ميدانية توصلهم لهدفهم، وبتحقق الهدف انتفت الحاجة لـ(قوات سوريا الديمقراطية) وبالضرورة لمشروعها السياسي. هذا ما كان على الكرد مثلما علينا جميعا أن نعرفه لنتجنب الكثير من الكوارث التي حلت بنا.

ذات صلة

أين نحن من أخلاق الحوار؟قراءة في كتاب.. نحو يقظة إسلاميةتحديات وخيارات الحكومة لمواجهة الازمة المالية في العراقكيف تموت الجامعات؟كيف نتعامل مع الغيرة عند أطفالنا؟