استمرار الحراك الشعبي في العراق: هل هو غضب عابر أم حالة مزمنة؟
مصطفى ملا هذال
2026-01-27 04:36
منذ أكثر من عقدين لم يعرف العراق هدوءا اجتماعيا طويل الأمد، فكلما خفت صوت احتجاج، سرعان ما يعود الشارع ليضج من جديد بمطالب قديمة متجددة، الحراك الشعبي الذي اتخذ أشكالا متعددة من التظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني، بات جزءا ثابتا من المشهد العراقي لا حدثا استثنائيا.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل سيهدأ هذا الحراك في يوم ما، أم أن العراق دخل مرحلة التعايش المزمن مع الأزمات، حيث لا تُحل المشكلات بل يُعاد إنتاجها على شكل احتجاجات متكررة؟
الحراك الشعبي في العراق ليس وليد لحظة واحدة، بل نتاج تراكم طويل من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والخدمية، فبعد عام 2003، تشكل نظام سياسي جديد حمل وعودا كبيرة بالديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، إلا أن هذه الوعود اصطدمت بواقع المحاصصة والفساد، وضعف مؤسسات الدولة، ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وأصبح الشارع الوسيلة الأوضح للتعبير عن الغضب، في ظل غياب قنوات فعّالة للإصلاح والمساءلة.
شيء ما يميز الحراك العراقي عن غيره وهو استمراريته وتحوله من رد فعل ظرفي إلى سلوك سياسي واجتماعي، فالمطالب التي يرفعها المتظاهرون اليوم تكاد تكون نفسها التي رُفعت قبل سنوات، فأغلبها ينحصر او يتمحور حول فرص العمل او خدمات أساسية، فضلا عن دولة قانون وانهاء حالة فساد وبناء دولة قانون، هذا التكرار لا يعكس عناد الشارع بقدر ما يكشف عجز النظام عن تقديم حلول جذرية، أو حتى خطوات إصلاحية مقنعة.
السؤال عن إمكانية هدوء الحراك يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الاستجابة الرسمية، فالتجارب السابقة تشير إلى أن الحكومات غالبا ما تعاملت مع الاحتجاجات إما بالاحتواء المؤقت عبر الوعود، أو بالقمع وامتصاص الغضب عبر تغييرات شكلية.
ومع ان هذه الأساليب قد تنجح في تهدئة الشارع لفترة قصيرة، لكنها لا تلبث أن تفشل، لأن جذور الأزمة تبقى قائمة، وحين لا يشعر المواطن بتغير حقيقي في حياته اليومية، يعود إلى الشارع، لا كخيار أول، بل كخيار أخير.
وما لا يمكن تجاهله هو التحولات التي طرأت على وعي الشارع نفسه، فجميع الحراك الحاصل لم يعد عفويا بالكامل، بل بات أكثر إدراكا لطبيعة الصراع السياسي، وأكثر تشككا في الحلول السطحية، يأتي الى جانب ما سبق أن الأجيال الشابة، التي تشكل العمود الفقري للاحتجاجات، لم تعش سوى واقع الأزمات، وهي أقل استعدادا للقبول بالواقع أو انتظار الوعود، وهذا الوعي الجديد يجعل من الصعب إعادة الشارع إلى حالة الصمت الطويل، حتى في فترات الهدوء النسبي.
لكن هل يعني ذلك أن العراق محكوم بحراك دائم؟
ليس بالضرورة فاستمرار الاحتجاجات ليس قدرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لغياب مشروع وطني شامل يعالج المشكلات البنيوية للدولة، فإذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، تبدأ بمكافحة الفساد بجدية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحسين الخدمات وفرص العمل، فإن دوافع النزول إلى الشارع ستتراجع تدريجيا.
على السلطة ان تعرف ان الحراك الشعبي في العراق هو مرآة تعكس حالة الدولة والمجتمع معا، فإذا استمرت السياسات نفسها، واستمر تجاهل المطالب الجوهرية، فإن التظاهر سيبقى لغة الشارع الأساسية، وسيظل العراق متعايشا مع أزماته بدلا من حلها.